محمد بن زكريا الرازي

57

كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس

أنّ تماثيل الجبال العظام تقع في الناظر " . قال : " وأعجب 4 - ب من ذلك أن يكون يجرى في وقت واحد تماثيل كثيرة بحسب عدد الأعين التي تبصر إليها " . فأقول : إن طول الاعتياد للشيء يدعو إلى الإلف له والأنس به والاستنكار لما خالفه ، ولولا ذلك لم يكن ليذهب مثل هذا الشئ القريب على جالينوس . ولكن من أجل أنه منذ صباه كان منغمسا في آراء أصحاب التعاليم « * » وكان والده منهم ندبه الهوى إلى هذه الناحية فاستنكر ما ليس بمستنكر بل محسوس مشاهد وهو : تأدى أشباح الأشياء المبصرة . ونحن إذا أقمنا بحذاء المبصر مرآة رأينا شبحه فيها ، حتى أنّه لو كان المبصر وراءنا والمرآة أمامنا لأبصرناه بجميع أحواله حتى نخبر عنها كإخبارنا عنها لو كانت « 1 » محاذية للبصر نفسه . ولو أقمنا حواليه وفوقه وتحته مرايا كثيرة لرأينا شبحه في كل واحدة « 2 » . فكيف يكون الظاهر للحسّ مستنكرا ، والقائل به هاذيا وهامزا ، ولا يكون إلّا هذه « 3 » التي تجب عن « 4 » قول جالينوس وهو إنه يخرج عن ثقب حدقة العين عصبة « 5 » من الضوء ما يحيل ما بينه وبين فلك الكواكب الثابتة من الهواء إلى جوهره حتى يدركها . ونحن نعلم أنّ ذلك العصفور أو الإنسان أو الفيل مثلا لو

--> ( * ) أي : المشتغلون بالرياضيات . ( 1 ) كان ( م ) . ( 2 ) واحد ( م ) و ( ص ) . ( 3 ) الآبدة ( م ) . ( 4 ) أن ( م ) . ( 5 ) عصفور ( م ) .