محمد بن زكريا الرازي

32

كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس

وكفى ، وبذلك يكون في مأمن من التقليد المحض ومن الابتعاد عن أي معاناه حقيقية لإبداع العقل . وبعد ، فإن هذا الكتاب الهام يمثّل - في نظرنا - محاولة لتأكيد قيمة التحرر العقلي ولنفض كل صور التبعّية لأي سلطة خارج نطاق العقل ذاته وللتنبيه إلى سلطان العادة والإلف وخطر التعصّب « 1 » ، ولتزكية روح النقد والدعوة إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل والاعتراف بالفضل لذويه . إنه درس عملي في " المنهج " عند واحد من كبار علماء الإسلام . * * *

--> ( 1 ) اشتهر الرازي في عصره بدفاعه عن حق الاجتهاد وبحملته على المتعصّبين المقلّدين من البرّانيين عبيد الحروف لا طلّاب المعاني الذين " إن سئلوا عن الدليل على صحة دعواهم استطاروا وغضبوا وهدروا دم من يطالبهم بذلك ونهوا عن النظر وحرّضوا على قتل مخالفيهم . فمن أجل ذلك اندفن الحق أشد اندفان وانكتم أشد انكتام . وإنما أوتوا في هذا الباب من طول الإلف لمذهبهم ومرّ الأيام والعادة واغترارهم بلحى التيوس المتصدّرين في المجالس يمزّقون حلوقهم بالأكاذيب والخرافات وحدّثنا فلان عن فلان بالزور والبهتان وبرواياتهم الأخبار المتناقضة ، وأما الأخبار الصحيحة فمنها ما يشكل معناها ومنها ما يقع فيه النسخ فأما ما يشكل معناها فكثيرة ومن لا يعرف معانيها يقدّر فيها التناقض ، ومنها ما يقع فيها الزيادة والنقصان ، ويوهّم فيها المحدّث ويغلّط " . ( يراجع كتاب " أعلام النبوة " في : ( Orientalia , v . 5 , P . 367