محمد بن زكريا الرازي

31

كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس

على أنه لا تغيب عنا حقيقة الاتصال الفعّال لتيار الحكمة المتدفق في الوعي الإنسانى العام ، وهو ما لا يجب التهوين منه بحال ونحن نجاهد لتحديد الخصوصية الثقافية لفترة معيّنة من فترات التاريخ الثقافي بمكوناتها الذاتية . ولقد وعى أبو بكر الرازي حقيقة هذا الاتصال ومغزاه وأدرك أنّ نهاية المتقدم هي بالفعل بداية المتأخر . ولم يخرج الرجل - في ذلك - على سّنة العباقرة العظام ؛ غير أنّه من الأهمية بمكان ملاحظة أن المفكر متى يسبق عصره أو يخرج على الأسس المستقرة في واقعه أو حتى يحاول التشكيك فيها ليوقظ الناس من غفوتهم فإنه يلقى المقاومة من الرافضة الذين يستريحون إلى ما قد ألفوه ويكونون بما لديهم فرحين ، وقد تكون محنة المفكر هي في جرأته على إلقاء السؤال على قوم لا يشغلهم التفكير في صواب ما يعتقدون ، وفي أنّه يحيا - في عالمه المتفرّد - مستيقظا وسط قوم نيام . إنّ عظمة المفكّر لا تقاس بتقديمه الحلّ لكل مشكلة أو الشرح لكل غامض وإنما تقاس بالأحرى بمقدار ما تثيره من إشكالات تدفع إلى البحث الدائب : فالقيمة في طرح السؤال لا في الظّفر بالجواب الذي قد يكون صائبا أو قد يأتيه الباطل أحيانا وتتلوّن صورته من بعد . فما يمثّل ركيزة التطور حقا هو أن تسرى في النّسق الفكري روح المعقولية والتخلّص التدريجي من الخطأ ومواصلة التطبيق للمناهج الصحيحة . « 1 » وإنّ ما يحدّد قدر المفكّر ، في نهاية الأمر ، لهو نجاحه الفعلي في ممارسة التفكير على أساس من مواجهة المشكلات الحقيقية التي تفرزها المعطيات المباشرة لا على أساس من محاولات السابقين

--> ( 1 ) Thorndike , L . " A History of Magic and Experemental Science " , V . II , P . 978 .