محمد بن زكريا الرازي
30
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
عليه . ومن أجل ذلك استحق أن يلقّبه " ابن جلجل " بالأديب الطبيب المارستانى " « 1 » ، وأن يلقّب عند " ابن أبي أصيبعة " وغيره ب " جالينوس العرب " . * * * تعقيب : لئن كان أعظم انتصار للعلم ، في تطوره المتصل ، هو تقريره لنسبية المعرفة وصيرورتها الدائمة فإن ثقتنا في العلم إذن ، مع أنها تزداد دونما انقطاع ، تظلّ محدودة أبدا . ورغم ذلك فإنّ كثرة لا يستهان بها من العلماء المحدثين - فيما يقول چورچ سارتون - لم يستوعبوا هذه الفكرة بعد ، وهم إن كانوا قد فهموها بعقولهم فإنها لم تتغلغل في أعماق قلوبهم ولم تصبح جزءا من كيانهم « 2 » . وإنه لمن اليسير حقا أن ينطلق المفكر المسلم من تقرير نسبية المعرفة طالما أنه يعتقد أنّ تمام الفهم لا يجسّده ، في كماله الأخير ، عقل فردى أو جماعي في الزمان والمكان . وعلى ذلك فإن الرازي لا يطرح مفهوما للعقل الإنسانى بما هو ملكة مكتملة أولانيّا ، أو بما هو بنيّة مغلقة ، بل إنه ينظر إلى هذا العقل الإنسانى باعتباره محض فاعلية طابعها المرونة والتشكّل المستمر وصولا إلى الاكتمال الممكن ، وهذه الفاعلية تكشف عن نفسها وتمارس تأثيرها فحسب فيما تطاله من مجالات الوجود ، تلك التي لا تتحدّد سلفا ، وبحيث يكون الإنجاز العقلي الحاصل مجرد خطوة على طريق لا تعرف نهايته وسرعان ما يتم تجاوزها أيضا سعيا إلى ما هو أكمل . « 3 »
--> ( 1 ) ابن جلجل : " طبقات الأطبّاء والحكماء " ، ص 77 ، بتحقيق فؤاد سيد ، القاهرة ، 1955 . ( 2 ) Sarton , G . " Introduction to the history of science " , V . I , P . 6 . ( 3 ) يراجع كتابنا " منهج البحث الطبى " ، ص 18 - 28 ، ط 2 ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 1999 .