محمد بن زكريا الرازي

29

كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس

الحارة الطاردة للرياح أقبلت على حقنهم بما يسخّن ويسمّن ناحية الكلى ، فأجلستهم في الرمل الحار إلى الصدر ، وبعضا ألزمتهم الحمّام اليابس فبرأ منهم ثلاثة نفر وأسرع الاستسقاء إلى نفر منهم ممن لم يعالج . ولم أر أحدا منهم برأ من الاستسقاء الطبلى العارض لهم " « 1 » وعن كتاب جالينوس " النبض الكبير " يقول الرازي : " إن هذا الكتاب على جلالته وشرفه كثير الشكوك جدا ، وقد عزمت - والله المعين - على إفراد شكوكه بكتاب يخصها أستقصى فيه القول فيها كمثل ساير الكتب الكثيرة الشكوك ، وأذكر فيه مع ذلك ما يتصل بها ويلازمها من علم النبض . . . وإن جالينوس يزعم أنه لم يذكر في المقالة الأولى من كتابه في النبض - وهي المخصوصة بذكر أصناف النبض - إلا ما قد أحسّه وعرفه تحت أنامله ؛ إذ كان ما يمكن أن يكون من أصناف النبض بحسب التقسيم الوهمي غير نافع في صناعة الطب ولا لائق بها ، وإنما ينتفع الطبيب من هذه بما يدركه حسا ، وأما أنا فإني إذا فكرت في جلالة هذا الرجل وكمال جبروته وعفته وإيثاره للحق والصدق في آرائه وأقواله ، ثم نظرت في عسر تصور ما ذكره في هذه المقالة من أصناف النبض على كثير من الناس - فضلا عن إدراكه حسّا - اعترتنى حيرة عظيمة . . . ومن قرأ هذه المقالة واستوعب فهمها علم أن جميع ما ذكر فيها من أصناف النبض وإن كان حقا في التصوّر والوهم فإنه لا يمكن أن يقع في الحس " « 2 » . هذه بعض أمثلة استطردنا فيها أحيانا لنبيّن ثقة الرازي في قدراته العقلية وخبراته الإكلينيكية ، ولنثبت أن الموروث العلمي الذي امتلكه الرازي وتمثله حق التمثل كان هاديا له ولم يكن أبدا قيدا

--> ( 1 ) الرازي : " الشكوك على جالينوس " . ص 30 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 24 ( أ - ب ) و " الحاوي " ، ج 2 ص 35 - 51 .