محمد بن زكريا الرازي
18
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
على أنه أيا كانت السلطة التي تدعّم آراءنا فإن الرازي لم يفتأ يؤكد على الدوام أن " الشئ لا يصح لإقرار الناس به كما لا يفسد لاختلافهم فيه ، ولو كان حقا لإقرار من أقرّ به لكان فاسدا باطلا لامتناع من امتنع عنه ، فيكون الشئ فاسدا صحيحا في حال وباطلا حقا في حال ، وهذا محال " « 1 » . ومما له دلاله - في هذا الشأن - دفع الرازي لرأى جالينوس في كتابه " في النبض " وبيان أن التقسم الوهمي غير نافع في صناعة الطب ولا لائق بها وإنما ينفع الطبيب من هذه ما يدركه حسا ، وذلك في قول الرازي في " كتاب الشكوك " : " وأما أنا فإني إذا فكّرت في جلالة هذا الرجل وكمال جبروته وعفّته وإيثاره للحق والصدق في آرائه وأقواله ثم نظرت في عسر تصوّر ما ذكره في هذه المقالة من أصناف النبض على كثير من الناس فضلا عن إدراكه حسا اعترتنى حيرة عظيمة ، ولا سيما إذا أنا ذكرت سببا كان يقوله رجل وجيه بمدينة السلام كان ينظر معي في هذا الكتاب أشهرا كثيرة ؛ فإن هذا الرجل كان يقول : إن الإنسان إذا أكثر تصوّر شئ ما وإقامته في نفسه وتخيّله له يحسب مرارا كثيرة أنّه قد أحسن ما تصوره " . « 2 » خصائص النظرية العلمية : استوفى الرازي - في نظريته عن العلم - شرطي الكليّة والعموم فنادى بضرورة إدراك الكلىّ والعام في الجزئيات وألا يقنع الباحث بالوقوف عند الأمثلة المفردة ؛ « 3 » وبضرورة ألا يرتبط صواب الفكرة بأشخاص بعينهم أو بأوضاعهم المخصوصة وإنما يجب أن يأتي صدق الحقيقة العلمية عاما وكليا بالنسبة لكل من يلتزم بأدلة البرهنة
--> ( 1 ) الرازي : " مقالة فيما بعد الطبيعة " ، ص 116 . ( ضمن رسائل فلسفية لأبى بكر الرازي ) ( 2 ) الرازي : كتاب " الشكوك ص 34 ب . ( 3 ) الرازي : " الشكوك " ، ص 8 - ب ، وكتاب " الحاوي " ، ص 472 ( من مخطوط البودليانا ) .