محمد بن زكريا الرازي

19

كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس

عليها . « 1 » وكان الرازي على وعى - كذلك - بالفرق بين قضايا العلوم الصورية الاستنباطية والتي يكون صدقها صدقا ضروريا استنادا إلى صدق وضرورة مبادئها وحيث يتمثل الصدق في اتساق النتائج مع المقدمات وبين العلوم الطبيعية التي يكون صدقها احتماليا طبيعته الرحجان ، من دون اليقين ، والتي تقوم على استقراء الأمثلة الجزئية ، ومن قبيل هذه العلوم : علم الطب وعلم الكيمياء ؛ وعلى ذلك كانت المعارف العلمية المستقرة والتي تقل فيها مواطن النزاع هي على الدوام مجرد معارف تقريبية . وإذا كان " أفلاطون " قد أعطى للعلم قيمة مطلقة خالصة من كل خطأ ، وعلى هذا لم تكن البحوث التجريبية حول الطبيعة عنده ذات مكانة عالية ؛ وإذا كان اشتراط اليقين و " الضرورة " قد نتج عند " أرسطو " عن أن " العلوم الرياضية أضلّته بحيث جعل منها المثل الأعلى لكل معرفة علمية ، حتى لو كانت في مجال العلوم الطبيعية ، فلم تكن نظريته عن العلم الطبيعي وفلسفته العلمية على مستوى علمه أو تطبيقاته ، بمعنى أنه نجح كعالم طبيعي أكثر منه كفيلسوف للعلم الطبيعي ولم يتصوّر أن تكون العلوم التجريبية موضع احتمالات " ، « 2 » فإن الرازي ، يتابع خطى أستاذه جابر بن حيان ، فيدافع

--> ( 1 ) قارن : " المناظرت بين الرازيين " ، ص 367 من نشرة كراوس ( Orientalia V . 5 . ) . ( 2 ) تراجع : " محاورة الجمهورية لأفلاطون " : 477 ، وما يقوله أرسطو في " التحليلات الثانية " عن طابع العلم اليقيني الضروري الصادق المباشر ، من أن " كل تعليم وكل تعلّم ذهني إنما يكون عن معرفة متقدمة الوجود " ، ( ص 329 ) و " يلزم ضرورة أن يكون العلم البرهاني من قضايا صادقة وأوائل غير ذات وسط ، وأن يكون أعرف من النتيجة وأكثر تقدمها منها وأن يكون عللها " ( ص 333 ) ، " فإن كان العلم البرهاني من مبادئ ضرورية ( وذلك أنّ ما يعلمه الإنسان علما لا يمكن أن يكون على خلاف ما هو عليه ) وكانت الأشياء الموجودة بذاتها هي الأمور الضرورية للأمور . . . فمن البيّن أن المقاييس البرهانية إما تكون من أمثال هذه : وذلك أن كل شئ إما أن يكون موجودا بهذا النحو ، وإما أن يكون بالعرض ، والأشياء التي بالعرض ليست ضرورية " ( ص 348 ) . -