محمد بن زكريا الرازي

16

كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس

ولا أعدّه فيلسوفا ؛ إذ كان قد نبذ سنّة الفلاسفة وراء ظهره وتمسّك بسنّة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم " « 1 » . هكذا تتحدّد عند الرازي ملامح الموقف العلمي القويم بما هو موقف نقدي يبعد عن التقليد . والرازي - في تفضيله لجالينوس على سائر الأطباء - يكشف كذلك عن طابع الاتجاه النقدى الذي كان سائدا في بيئته العلمية آنذاك ، فيقول : " ولقد كان رجل وجيه بمدينة السلام ممن يميل إلى أرسطو طاليس يقرأ معي كتب جالينوس ، فإذا بلغ إلى أمثال هذه المواضع ( أي : المشكوك فيها ) أكثر لومى وتعنيفى على تفضيله وتقديمه ، وكان - يعلم الله - كثيرا ما يخجلنى علوّ حجته علىّ في أمثال هذه الأشياء " « 2 » . فالرازى - بإيراده للشكوك على أفكار من سبقوه - لم يكن إذن بدعا في ذلك بل كان مثالا على ذوى النباهة من علماء عصره الذين كان يجلّهم ويعرف لهم أقدارهم . وكان الرازي قد سبق وأشار إلى أنّ قوما من جملة متفلسفى الإسلام قد ناقضوا جالينوس . . . " « 3 » ، وهو يتخذ من موقف جالينوس نفسه - من القدماء والمعاصرين - أسوة له في ذلك ؛ حيث يقول : " فأما جالينوس فلست أحتاج أن أقول في كثرة ردّه على القدماء والأجلّة من أهل زمانه وصبره على ذلك وقوته عليه وإطالة الكلام فيه ؛ إذ كان ذلك أكثر من أن أحصيه ، وإذ ذلك بيّن لقارئ كتبه أنّ ذلك أعظم همّته ، ولا أحسب نجا منه أحد من الفلاسفة ولا من الأطباء

--> ( 1 ) الرازي : " الشكوك " ، ص 1 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 19 ( أ - ب ) . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 18 .