جابر بن حيان
52
مجموعة مصنفات في الخيمياء والإكسير الأعظم
وتحديد موقع الإنسان في الكون ، ولا علاقة لها مطلقا بهذيان الكثير من المؤلفات الباطنية التي انتشرت في العصر نفسه . ويمكن أن نتبيّن في هذا التصوّر للمعرفة الإنسانية دلائل تشير إلى أنّه ثقافة كاملة قائمة بذاتها ، في ملتقى المعطيات الفكرية القديمة مع الحركة الفكرية الجديدة التي أثارتها الديانات التوحيدية . إن جابرا - أو المدرسة التي تختفي وراء اسمه - وابن وحشيّة - وغيرهما كثير - يمثلون في الواقع أكثر من وجود مخلّفات وبقايا عقائد قديمة ، لا بل يقدّمون رؤيا كاملة لعلاقة الإنسان بالكون . ومن خلال علم الموازين الجابري ، يتّضح جانب كامل من العالم الذهني لبعض الأوساط الإسلامية الهامشية في القرون الأولى : ألا وهو رؤيا لكون مسكون بالنفس ، بالمعنى الدقيق للكلمة ؛ لكون شكلة النفس الحاضرة والفاعلة في كل شأن . إن نظرية الموازين أو التكوين على سبيل المثال ، تعبّر عن أفكار أناس وثقوا في أعماقهم بالانسجام الذي يحكم الكون المتماسك والمعقول بكلّيته ، حيث يتمّ تدخّل الخالق المدبّر بصورة غير مباشرة ، وحيث يستطيع الإنسان اكتساب مقدرة واسعة وسيطرة كبيرة على العناصر والقوانين المادية . نرى ، إجمالا ، أنّ المؤلفات الجابرية تمثّل محاولة علمية وفلسفية تتميز بطموح بارز . فلقد سعى جابر قبل كلّ شيء إلى تجميع مجمل العلوم المعروفة في عصره في نظام تعتمد على سببيّة موحّدة ،