بلينوس الحكيم
530
سر الخليقة وصنعة الطبيعة ( كتاب العلل )
وكذلك أقول : إنّه لا يكون مولود إلّا باجتماع الذّكر والأنثى ليكون [ 1 ] من لقاح بعضها بعضا تولّد المواليد ، أعنى بالذّكران والإناث الطبائع لأنّها ذكران وأنثيان ؛ فلتفرّق الطبائع وتباينها عند التضادّ لم يحصر بعضها بعضا فتأتلف ، فيكون من ائتلافها تولّد المواليد ، ولتولّد المواليد احتاجت الطبائع الأربع إلى الحركة ليحسّ بعضها بعضا ؛ ولأنّه لا يكون حسّ إلّا بجسّ ولا ائتلاف إلّا بحسّ ؛ ولأنّ الطبائع إنّما كانت من نطفة واحدة وفي بعضها شبه بعض ، فلمّا تعادت انفصلت ، ولمّا انفصلت تخلّص بعضها من بعض وقوى كلّ واحد منها في طبيعته ؛ فلطول الانفصال [ 8 ] اشتاقت الطبائع إلى الاتّصال بعد الانفصال ولأنّها كانت متّصلة في ابتدائها ، فتحرّكت للاتّصال كما كانت تحرّكت للانفصال ، وجذب بعضها بعضا إلى نفسه لأنّ كلّ شكل إنّما اجتذب شكله على قدر ما فيه منه ؛ فاجتذب يبس الأرض لين الهواء ، واجتذب برد الماء حرّ النار ، وكذلك حرّ النار اجتذب برد الماء . ولين الهواء اجتذب يبس الأرض . هذه المقابلة على التعادى . ثمّ المقابلة على الاتّفاق من الطبائع : اجتذب يبس الأرض يبس النار ، واجتذب حرّ الهواء حرّ النار ، واجتذب لين الما لين الهواء ، واجتذب برد الماء برد الأرض ، وكذا المقابلة على العداوة والاتّفاق ، ومن بين العداوة والاتّفاق تكون المواليد . وكلّ هذا الاجتذاب ودخول بعضها في بعض إنّما يكون بحركات الكواكب السّيّارة ودوران الأفلاك وبحركاتها يقبل بعضها بعضا ويدخل بعضها في بعض عن العداوة والاتّفاق لكون المواليد .
--> [ 1 ] لأنها : وفي الأصل « لأنهما » - - [ 8 ] منها : وفي الأصل « منهما » .