بلينوس الحكيم

529

سر الخليقة وصنعة الطبيعة ( كتاب العلل )

والآن أقول على خلّقة المواليد الثلاث التي تولّدت من الطبائع الأربع بعد فراغى من خلقة الطبائع من بعد دوران الفلك واستتمام ما في العلوّ وما في السّفل واختلاف اللّيل والنّهار . أقول : إنّه لمّا استتمّت الطبائع الأربع وبلغت نهايتها في قوّتها أخذت في التّعادى والتضادّ لأنّها في أصل خلقتها إنّما تركبت من الأجزاء المتضادّة ، كما بيّنت خلقتها في أعلى كتابي وكيف تركّبت الطبائع الأربع من الأجزاء المتضادّة . فلمّا قويت الطبائع وتمّت تعادت ، ولمّا تعادت عادت إلى سنخها التي ابتدأت منه . ولمّا تعادت انفصلت وتباينت ، فافترقت فصار بعضها فوق بعض لأنّها لم تجد مهربا من العالم فتهرب منه إليه لإمساك الحدود . فلمّا تباينت ولم تجد مخلصا تهرب فيه علا بعضها صعدا فوق بعض على قدر لطافتها وغلظها ولأنّ سوسها كان فيه اللّطف والغلظ ، فرجعت في طبائعها إلى أصل عنصرها : فما لطف منها كان أعلى ، وما ثقل منها كان أسفل . فارتفعت النار بلطافتها إلى العلوّ لأنّها أخفّ الطبائع وألطفها ، والأخرى أغلظ الطبائع وأثقلها ، وهما النار والأرض ؛ ثمّ الطبيعتان الأخريان وهما الماء والهواء ، فالهواء أخفّ [ 15 ] من الماء كما أنّ الماء أخفّ من الأرض ، فارتفع الهواء عن الماء ، والماء أسفل [ 16 ] من الهواء لأنّه أثقل منه وفوق الأرض لأنّه أخفّ منها ، وصار الهواء تحت [ 17 ] النار لأنّه أثقل من النار . فهكذا تقابل الطبائع في العالم الأكبر وهكذا خلقتها .

--> [ 15 ] الطبيعتان الأخريان : وفي الأصل « الطبيعتين الأخريين » - - [ 16 ] أن الماء : وفي الأصل « أن النار » - - والماء : ناقص في الأصل - - [ 17 - 18 ] وصار . . . النار لأنه : وفي الأصل « صارت تحت النار لأنها » - -