معاونية شؤون التعليم والبحوث الإسلامية في الحج

432

حج الأنبياء والأئمة ( ع )

والمضارب وكلّ انسان منهم قد تزيّا على قدره ، فقلت : « اللَّهُمَّ انَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا الَيْكَ فَلَا تَرُدَّهُمْ خَائِبِينَ » فبينما أنا قائم وزمام راحلتي بيدي وأنا أطلب موضعاً أنزل فيه منفرداً عن الناس إذ نظرت إلى فتى حدث السن ، حسن الوجه ، شديد السمرة ، عليه سيماء العبادة وشواهدها وبين عينيه سجادة كأنّها كوكب دري ، وعليه من فوق ثوبه شملة من صوف ، وفي رجله نعل عربي وهو منفرد في عزلة من الناس . فقلت في نفسي : هذا الفتى من هؤلاء الصوفية المتوكّلة يريد أن يكون كلًّا على الناس في هذا الطريق واللَّه لأمضينّ إليه ولأوبّخنه قال : فدنوت منه فلمّا رآني مقبلًا نحوه قال لي : يا شقيق « اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا » « 1 » وقرأ الآية . ثمّ تركني ومضى فقلت في نفسي : قد تكلّم هذا الفتى على سري ونطق مما في نفسي وسمّاني باسمي وما فعل هذا الّا هو ولي اللَّه الحقّة وأسأله أن يجعلني في حلّ ، فأسرعت ورائه فلم ألحقه وغاب عن عيني فلم أره . وارتحلنا حتى نزلنا واقصة « 2 » فنزلت ناحية من الحاجّ ونظر فاذاً صاحبي قائم يصلّي على كئيب رمل وهو راكع وساجد ، وأعضائه تضطرب ودموعه تجري من خشية اللَّه عزَّ وجلَّ فقلت : هذا صاحبي لأمضينّ إليه ثمّ لأسألنّه أن يجعلني في حلّ ، فأقبلت نحوه فلمّا نظر إليّ مقبلًا قال لي : يا شقيق « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » « 3 » ثمّ غاب عن عيني فلم أره فقلت هذا رجل من الأبدال وقد تكلّم على سرّي مرّتين ، ولو لم يكن عند اللَّه فاضلًا ما تكلّم على سرّي ورحل

--> ( 1 ) الحجرات 49 : 12 . ( 2 ) واقصة : بكسر القاف ، والصاد المهملة ، موضعان ، منزل في طريق مكّة بعد القرعاء نحو مكّة ، وناء لبني كعب ، وواقصة أيضاً بأرض اليمامة . ( 3 ) طه 20 : 82 .