مجموعة مؤلفين

63

مجلة فقه أهل البيت ( ع )

فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ فإنّ الظاهر من ( فيها ) - بقرينة ما قبلها - أنّها لبيان الظرفية فقط لا أكثر . إلا أنّه في الكثير من الآيات الوارد فيها لفظ ( في الأرض ) بعد لفظ ( الإفساد ) الظاهر أنّ المراد بالفساد هو الفساد الشامل والعامّ بمعنى الاختلال الاجتماعي . ففرق بين أن يقال لشخص : لا تخلّ بأمن البلد أو الوطن ، وبين أن يقال له : لا تفعل ما يوجب الاخلال مثلًا ، فإنّ الاخلال قد يكون على مستوى الفرد ، وقد يكون على المستوى العام للبلد ، والافساد الوارد في كثير من الآيات الوارد فيها قيد الأرض هو من قبيل الثاني على ما يستفاد منها . المراد ب‍ - ( الفساد في الأرض ) في القرآن الكريم : وقد تكرّر عنوان ( الفساد في الأرض ) في عدّة آيات بصيغٍ مختلفة سواء كان واقعاً موضوعاً للحكم الشرعي أو واقعاً في سياق الإخبار عن أفعال وتصرّفات الأمم السابقة ، أو في سياق نقل كلامهم ، والذي يعنينا من تلك الآيات آيتان ، وهما : الآية ( 32 ) من سورة المائدة ، حيث قال سبحانه - بعد ذكر قصة هابيل وقابيل - : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ وقد أراد البعض تقرير دلالتها على مشروعية القصاص وعلى جواز قتل المفسد في الأرض ، وهذا ما سوف نتعرّض لبحثه لاحقاً إن شاء الله تعالى . وأمّا الآية الثانية فهي الآية ( 33 ) من سورة المائدة قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ . وحكم الفساد في الأرض كحدّ من الحدود يمكن حصره بهاتين الآيتين ، وأمّا الآيات الأخرى الوارد فيها هذا العنوان فلم يرد فيها مثل هذا الحكم ، نعم يمكن