مجموعة مؤلفين
113
مجلة فقه أهل البيت ( ع )
ولذلك فإن تقييد فهم المخاطب والفقيه بالخلفيات التاريخية الخاصة لا يؤدي إلى عدم الفهم ما دام النص بإمكانه أن يحكي عن نفسه من خلال تعاليم الفقه . ففي التقليد الفقهي ، لا يكون النص صامتاً متأثراً ، بل هو في حوار مستمر مع المخاطبين ، والمخاطب والفقيه إنما يتسنى له فهم النص إذا ما أصغى إلى هذا الحوار التاريخي للنص في سنن مختلفة ، وهذا هو السر في إصرار الفقيه على فهم آخِر وأكمل الحوارات التاريخية للنص عن طريق بحوث واجتهادات الفقهاء ، على الرغم من أنه لا يؤمن بآراء فقهاء من أمثال الشيخ الطوسي والمحقق والعلّامة وصاحب الجواهر والشيخ الأنصاري وغيرهم . فكأنه لا يستطيع تناسي ضرورة الرجوع المستقل إلى النص من الكتاب والسنة باعتبارهما مصدراً للتشريع ومرجعاً أوليّاً لاستخراج الأجوبة المناسبة الحديثة عن التساؤلات والقضايا التي أفرزتها السنة التاريخية الخاصة بها ، مؤمناً بأن تناوب النص في أذهان المخاطبين لا يؤدي إلى تحوّل حقيقته في تعاليم الفقه ، وأنه يحتفظ بهويته المستقلة لحوارات جديدة في سنن تاريخية مختلفة . وهذا الأمر هو ما يلتزم به بقوة صاحب التيار الثالث ، وينبئ على أساسه عن التطورات القادمة ولا سيما في أدلة إثبات الدعوى وأساليب المحاكمة في ضوء تعاطي فاعل مع النص وتعاليم الفقه ، وهذا ما امتاز به المتضلّعون في الفقه والأصول بين القدماء والمتأخرين ، كابن الجنيد وابن أبي عقيل في الفقه ، والشيخ الطوسي في الفقه والأصول ، والوحيد البهبهاني في الأصول والشيخ الأنصاري في الفقه والأصول . إلا أن الميزة الإضافية لصاحب التيار الثالث والتي نتوصل إليها من خلال المقاربة المعرفية لهذا التيار ، هي أن صاحبه الموقر يوحي في بحوثه بأن لا تعتري الفقيه والمخاطب عند فهم النص عن طريق تعاليم الفقه طفرة تراجعية قهقرائية واضحة ، وألا يغفل عن المسار المنطقي لتبلور الحوارات التاريخية للنص .