الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

181

أنوار الفقاهة ( كتاب النكاح )

ولكن الإنشاء ، هو إيجاد شيء في عالم الاعتبار بنفس الكلام مع قصده ، مثلا ، النداء أو الاستفهام ، ليس شيئا خارجيا يحكي عنه القائل باللفظ ، بل شيء يوجده . وكذا الأمر والنهي ، وكذا البيع والنكاح ، ( وإن كان بين أقسام الإنشاء فرق ) فالعلقة الاعتبارية بين الزوج والزوجة ليست أمرا موجودا خارجيا ، بل أمر اعتباري ذهني فرضى ، يوجده المنشئ فيجعل هذا زوجا لهذه في عالم الاعتبار ومنظما إليها ؛ والعقلاء يفرضون لهذا الاعتبار أحكاما كثيرة قد تكون أكثر من الأحكام المترتبة على الواقعيات العينية ، وذلك لنظام معاشهم وحفظ مجتمعهم . وحقيقة الإنشاء أمر دقيق جدا خفى على الناس إلّا العلماء منهم ، ولكنها بإجمالها معلوم لكل أحد حتى الصبيان لأنّها مبتلى بها ليلا ونهارا . فإذا قال الأب لولده الصغير : خذ هذا فقد وهبت لك . يفهم أنّ العلقة الملكية حصلت له ، ويرى نفسه بعد ذلك أحق الناس به ، بعد إن لم يكن كذلك . فلو زاحمه أحد ، يقول : هذا مالي ، وهبه لي أبي ؛ فكنهه في غاية الخفاء ولكن مفهومه من أظهر الأشياء . إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ اللازم في العقد ، قصد الإنشاء ، أي إيجاد العلقة الزوجية ؛ والفرق بينه وبين الأخبار . ولكن هذا أمر سهل بسيط ، لا كما يظهر من بعض أهل العلم من أنّه أمر مشكل لا يعرفه العوام ، فلا يصح منهم إجراء الصيغة ، بل قد عرفت أنّه يعرفه الصبيان أيضا ، وليس أمرا صعبا ولا معنى للتشدّد فيه . والحاصل ، أنّ هناك أمورا ظاهرة بوجودها الإجمالي ، ولكن كنهها خفية جدا ، لا في خصوص ذات اللّه تعالى ، بل بالنسبة إلى كثير من الموجودات الإمكانية ، كالزمان والمكان وقوة الجاذبة الموجودة في الأرض ، وشبهها ؛ فانّها من الواضحات لكل أحد بوجودها الإجمالي ، حتى بالنسبة إلى الصبيان ، ولكن حقيقة الزمان والمكان ما ذا ؟ فقد تحيّر فيهما الفلاسفة . وحقيقة قوة الجاذبة الأرضية ما ذا ؟ تحيّر فيها علماء العلوم الطبيعي . والإنشاء من هذا القبيل ، فالملكية والبيع والهبة والزوجية من الأمور الاعتبارية التي يعرفها كل أحد ، وكذا إنشاء هذه الأمور ، فالطفل الذي يأخذ الفلوس ويشترى بها جوزا مثلا يفهم معنى الملك وكذا عقد البيع . وإذا بلغ الإنسان حدّ الزواج وأشار إلى أبيه أن