الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

88

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

إذا عرفت محلّ البحث فاعلم أنّه يتصوّر على أنحاء : 1 - أن يكون من قبيل الإجبار والإلزام له بشيء محرّم لا يعلمه ، كإجباره على شرب مائع هو جاهل بخمريته . 2 - أن يكون من قبيل التسبيب المصطلح في الفقه ، كمن قدّم طعاما مغصوبا إلى ضيف له ، وكذلك تقديم شيء حرام يعلم أنّه سيصرفه في الأكل . 3 - أن يكون من قبيل إعطاء شيء له منافع مختلفة ، ولكن منفعته الغالبة محرّمة ، كإعطاء دهن نجس يكون معدّا للأكل غالبا ، وكذلك ما تكون له منفعتان متساويتان . 4 - أن يكون من قبيل إعطاء ما يكون منفعته النادرة محرّمة كدهن السراج الذي يستفاد منه في الطعام نادرا . 5 - أن يكون من قبيل عدم إيجاد المانع مع كون الموضوع حراما لا يعلمه . والكلام فيها تارة من ناحية القواعد والأصول العامّة ، وأخرى من ناحية الأدلّة الخاصّة . أمّا الأوّل : فقد يقال فيها بالحرمة نظرا إلى شمول أدلّة المحرّمات لها من حيث عنوان التسبيب ( ولا أقل في بعض الصور ) . وفيه إشكال ظاهر ، فانّ قوله « لا تشرب الخمر » وأمثاله ظاهر في عدم شربه بالمباشرة ، ولا دلالة له على حرمة سقي غيره ولو ثبت بدليل آخر . والثاني : بأدلّة وجوب إرشاد الجاهل ، ولكن عرفت أنّها ناظرة إلى الأحكام فقط . والثالث : بما علم من الشرع من أنّ الأحكام تدور مدار المصالح والمفاسد الواقعيين ، وأنّ أكل الحرام وشربه من القبيح الواقعي . ولذا يكون الاحتياط فيه مطلوبا مع الشكّ ، وحينئذ يكون إعطاء النجس للجاهل إغراء بالقبيح ، وهو قبيح ( هذا ما ذكره شيخنا العلّامة الأنصاري قدّس سرّه ) . وأضاف إليه في « مصباح الفقاهة » بأنّ الأحكام الواقعية ليست مقيّدة بعلم المكلّفين ، وإلّا لزم التصويب المحال أو الباطل « 1 » . وفيه أوّلا : إنّ التصويب إنّما هو فيما إذا كان العلم بالحكم دخيلا فيه ، ولكن محلّ الكلام

--> ( 1 ) . مصباح الفقاهة ، ج 1 ، ص 118 .