الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
422
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
مضافا إلى أنّ هذه النيابة عمل راجح يصحّ فيه قصد القربة أيضا ، فيتقرّب النائب بها أيضا إلى اللّه ، مضافا إلى المنوب عنه ، ولكن كثيرا ما يغفل النائب عن هذا المعنى ولا يقصد إلّا تقرّب المنوب عنه لا تقرّبه نفسه بالنيابة عن المؤمن ، بل قد لا يعلم هذا الرجحان ، ومع ذلك عمله صحيح من حيث تقرّب المنوب عنه ، فإذن لا مانع من أخذ الأجرة على نيابته بعد عدم كونه مشروطا بقصد القربة ، ثمّ أورد على نفسه بأنّ الواقع في الخارج عمل واحد وهو الصلاة عن الميّت مثلا ، وهو بعينه متعلّق الإجارة والنيابة ، وليست النيابة عن الميّت شيئا والصلاة شيئا آخر ، حتّى يكون الأوّل متعلّقا للإجارة ، والثاني موردا للإخلاص . ثمّ أجاب عنه بما حاصله : « إنّ الموجود في ضمن الصلاة الخارجية فعلان : نيابة صادرة عن الأجير ، وصلاة كأنّها صادرة عن المنوب عنه ، وهذان مختلفان في آثارهما ، فانّه بالعنوان الأوّل ينقسم إلى المباح والراجح والمرجوح ، وبالعنوان الثاني تترتّب عليه الآثار الدنيوية والأخروية للمنوب عنه ، فكما أنّ آثارهما مختلفة كذلك أحكامهما مختلفة » ( انتهى محصّل كلامه قدّس سرّه ) « 1 » . هذا ولكن مع ذلك يبقى في كلامه الشريف مواقع للنظر : أوّلا : التقرب إلى اللّه ليس من الأمور الاعتبارية التي تحصل بالإنشاء أو النيّة عن الغير ، ولا معنى لتقرّب إنسان بعمل غيره ، كما إذا قصد حيازة المباحات لغيره ( بناء على جوازها ) بل التقرّب إليه تعالى له ملاكات نفسية لا تحصل إلّا بها ، فهو من الأمور التكوينية الناشئة من مبادئها . نعم لو كان المنوب عنه هو الباعث للغير على العمل ، بحيث عدّ العمل من أعماله تسبيبا ، أمكن قبول التقرّب له بذلك ، ولكن هذا المعنى غير موجود في موارد استيجار الغير وشبهها عن الميّت غالبا ، اللهمّ إلّا أن يقصد المباشر اهداء ثواب عمله إليه ، وهذا أمر آخر . ثانيا : انطباق عنوانين على عمل واحد لا يجعله عملين : أحدهما صادر بقصد القربة ، والثاني بقصد الأجرة ، لأنّ المفروض أنّ الصادر شيء واحد . وأمّا مجرّد قصد النيابة الذي هو أمر قلبي فليس بإزائه اجرة قطعا ، بل هي بإزاء الفعل النيابي الخارجي .
--> ( 1 ) . المكاسب لشيخنا الأنصاري قدّس سرّه ، ص 64 و 65 .