الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

423

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

ثالثا : إنّ نفس النيابة من الأعمال الراجحة المعلومة بالارتكاز للمتشرّعة جميعا ، خواصهم وعوامهم ، ويرونها إحسانا للميّت أو الحي ، والإحسان إلى المؤمن من أفضل القربات ، فكيف يغفل عن مثل هذا المعنى ؟ فإذا لا مناصّ إلّا من نفي العبادات الاستيجارية مطلقا على مبناه ، والقول بأنّ ما ورد في مثل الحجّ إنّما تؤخذ الأجرة على المقدّمات فحسب ، إمّا نفس العمل فيقع قريبا بدون قصد الأجرة ، أو لا بدّ من قبول عدم منافاة قصد القربة لأخذ الأجرة من طريق الداعي على الداعي ( كما ذكرناه سابقا ) . ثمّ اعلم إنّه قد يقال : إنّ القرب المعتبر في العبادة لو كان من الحقائق الواقعية لكان حصوله للمنوب عنه ممتنعا ، لكن لا يعتبر ذلك فيها جزما ، وأمّا القرب الاعتباري وسقوط الأمر أو سقوط المكلّف به عن عهدته بفعل الغير بمكان من الإمكان ، ويستكشف ذلك كلّه من أدلّة النيابة « 1 » . أقول : لا ينبغي الشكّ أنّ المعتبر في ماهية العبادة هو القرب الحقيقي ، بل لم توضع العبادة إلّا لذلك ، وإطاعة أوامر اللّه أيضا طريق للوصول إلى هذا المعنى ، ولا معنى للقرب الاعتباري ، وليس القرب من الأمور الاعتبارية أو الإنشائية الحاصلة بفعل الغير كما لا يخفى . وأمّا سقوط الأمر إن كان بسبب قصد إطاعة الأمر ، فهذا موجب للقرب حقيقة ، أمّا سقوطه بفعل الغير فلا دخل له في القرب ، نعم يمكن ذلك من باب اهداء الثواب ، ولكن أين ذلك من النيابة ؟ وأعجب منه ما ذكره في ذيل كلامه من نفي اعتبار قصد القربة في العبادات كلّها ، واكتفائه بالإخلاص وكونها للّه تعالى ، مع أنّ العبادات لم توضع إلّا لذلك ، فانّ غايتها إمّا تكريم اللّه وتعظيمه لحاجة اللّه إليه ( تعالى عن ذلك علوا كبيرا ) وأمّا لحاجة العبد ، وهي تقرّبه نحوه ، ولا ثالث لهما ، وما ذكره في ذيل كلامه يعود إلى قصد التقرّب في الواقع .

--> ( 1 ) . المكاسب المحرّمة للإمام الخميني قدّس سرّه ، ج 2 ، ص 218 ، ( وأضاف في ذيل كلامه : بل اعتبار قصد القربة أو حصول القرب في العبادات غير ظاهر بل لا يعتبر فيها إلّا الإخلاص وكونها للّه تعالى ) .