الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

421

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

وأمّا أخذ الأجرة في مقابل « القضاء » فقد عرفت سابقا في مباحث الرشوة أنّه غير جائز ، للروايات الخاصّة الواردة فيها ، مضافا إلى ما يستفاد من غيرها من رفعة مقام القضاء ، وكون أخذ الأجرة مظنّة للوقوع في الجور في الأحكام ، والعمدة الروايات الخاصّة . بقي هنا أمور : الأمر الأوّل : أخذ الأجرة على المحرمات لا يجوز أخذ الأجرة على المحرّمات ، لما تبيّن لك من أنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه ، وأنّه أكل للمال بالباطل بعد عدم المالية لها شرعا ، مضافا إلى حديث تحف العقول وغيره . وأمّا أخذ الأجرة على المباحات والمكروهات فلا مانع منه ، إذا اجتمعت فيه سائر شرائط الإجارة من الفائدة المقوّمة لها وغير ذلك . وأمّا على المستحبّات ، فقد فصل شيخنا الأعظم قدّس سرّه فيها بين العبادة وغيرها ، فحكم بالفساد في الأوّل لفسادها بعدم القربة بأخذ الأجرة ، كما إذا أخذ الأجرة لإعادة صلاته حتّى يصلّي به جماعة ، وبالصحّة في الثاني ، كما إذا استؤجر لبناء المسجد وغيره . هذا والإنصاف صحّة الجميع بعد ما عرفت من تصحيح أخذ الأجرة من طريق الداعي إلى الداعي ، فإذا لم تكن العبادة من وظائفه الحتمية ، واستؤجر لفعلها فلا مانع منه ، إلّا فيما يستفاد من دليله كونه مجّانا كما في الأذان على احتمال ، وهو أيضا من قبيل الوظائف . الأمر الثّاني : أخذ الأجرة على العبادات الاستيجارية ذكر شيخنا الأعظم قدّس سرّه هنا أنّ العبادات الاستيجارية كلّها داخلة في أخذ الأجرة على المستحبّات ، لأنّ إتيان العبادات عن الغير مستحبّ ذاتا ، ويأخذ الأجرة على فعل هذا المستحبّ ، ولكن لمّا كانت العبادات الاستيجارية منوطة بقصد القربة ، وهو لا يرخّص أخذ الأجرة حتّى على المستحبّات العبادية ذكر في تصحيح قصد القربة ما حاصله : إنّ حقيقة النيابة « جعل نفسه بمنزلة الغير وعمل العمل بقصد التقرّب الذي هو تقرّب المنوب عنه بعد فرض النيابة » .