الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

327

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

هذا والأولى بعد تعارض الأخبار في هذا الباب أن يقال : إنّ الكذب إنّما يكون فيما إذا لم تكن هناك قرائن محفوفة بالكلام تدلّ على كون المراد منه الاستهزاء بالأصنام أو شبهه ، أو الكناية عن عدم قدرتها على شيء وإلّا لم يقع مصداق الكذب كما مرّ شرحه آنفا . المقام السّادس : في مسوغات الكذب الأوّل من مسوغات الكذب : ما كان للضرورة الذي يظهر من كلماتهم أنّ العناوين المحرّمة على قسمين : ما يكون قبحه ذاتيا لا يختلف بالوجوه والاعتبار ، ومثّلوا له بالظلم ، وما يختلف بذلك وجعلوا الكذب منها . ولكن هذا التقسيم قابل للتأمّل ، لأنّ كلّ شيء غير الكفر وهدم الدين - الذي هو أكبر الكبائر - ليست حرمته ذاتية حتّى لو كان ظلما ، فلذا يجوز أكل مال الغير في المخمصة ، والهجوم على المسلمين إذا تترّس الكفّار بهم في الحرب بشرائطه مع أنّ وقوع الظلم عليه حينئذ واضح ، ولو أجيب عن الأوّل ، فلا يمكن الجواب عن الثاني ، نعم وجود الغرض الأهمّ رخّص هذا الظلم . فغالب المحرّمات أو جميعها إلّا ما ذكر يكون جائزا عند طروّ عنوان أهمّ منه ، والكذب منه قطعا ، وبعبارة أخرى عند دوران الأمر بين أمرين محرّمين يؤخذ بالأقوى منهما فيترك ويعمل بالآخر ، وكذا إذا دار الأمر بين محرّم وواجب ، وهناك كثير من الواجبات والمحرّمات أقوى ملاكا من الكذب ، فيجوز ارتكاب الكذب لحفظها . وهذا هو الدليل العمدة في هذا الباب ، والاضطرار والإكراه ودوران الأمر بين الأمرين كلّها ، تندرج تحت عنوان الضرورة ، خلافا لبعض الأعلام . وهناك روايات كثيرة وبعض الآيات تدلّ على جواز ذلك أيضا ، مضافا إلى الإجماع المعلوم حاله في أمثال المقام . أمّا من الآيات فقد استدلّ له بقوله تعالى : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ . . . « 1 » .

--> ( 1 ) . سورة النحل ، الآية 106 .