الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

286

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

وكون شيء أخفّ أو أشدّ في نظر الشرع غير كاف ، بل لو كان كذلك عرفا ، فهو أيضا مشكل ، لعدم الدليل على كفاية ارتكاب الأشدّ في الغيبة على الأخفّ بعد كون الأصل في عرض المؤمنين الحرمة . بقي هنا أمور : 1 - قد يكون الإنسان متجاهرا بين جماعة ، ولا يكون متجاهرا مع غيرهم ، فقد يقال بإطلاق أخبار الجواز ، ولكن مناسبة الحكم والموضوع مانعة منه ، وموجبة لانصرافها عنه ، فلو كان متجاهرا في بلده متستّرا في غيره لا يجوز غيبته به ، نعم يمكن أن يقال : إنّ المدار على التجاهر بالنسبة إلى عامّة الناس ، لا بالنسبة إلى كلّ أحد ، فإن كان متستّرا من شخص خاص جاز غيبته عنده إذا كان متجاهرا للعامّة ، لإطلاق الأخبار وإنّه لو قلنا بالحرمة لزم الاستفسار قبلا من كلّ من يريد ذكره عنده ، وهذا ممّا يأبى عنه إطلاق أخبار الباب ، فلو كان متجاهرا بالنسبة إلى العموم متستّرا من بعض أقربائه أو بعض أحبّته جاز غيبته عندهم . 2 - « المتجاهر » عند قوم بالخصوص كأصدقائه وجيرانه ومحارمه لا تجوز غيبته عند العامّة ، للشكّ في صدق المتجاهر عليه ما لم يكن عامّا ، بل قد يعلم بعدمه إذا كان متستّرا عن عامّة الناس ما عدى عدّة قليلة جدّا . 3 - لا يعتبر في جواز غيبته قصد غرض صحيح - أهمّ أو غير أهمّ - من قبيل النهي عن المنكر وغيره ، لإطلاق الأدلّة كما هو ظاهر . ثانيهما : مسألة التظلّم والكلام تارة في أصل جواز الغيبة عند التظلّم ، وأخرى في حدوده ، أمّا الأوّل فيدلّ عليه مضافا إلى شهرته بين العامّة والخاصّة قوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ « 1 » والجهر بالسوء وإن لم يختصّ بالغيبة بل يشمل كلّ إجهار به ، ولكنّه يشملها ،

--> ( 1 ) . سورة النساء ، الآية 148 .