الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
285
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
ولعلّه من باب لزوم النهي عن المنكر ، وكان الإعراض عن الجماعة إعراضا عن الإسلام أو الحكومة الإسلامية في الحقيقة ، أو مقدّمة له ، وأمروا بالنهي عنه . والحاصل ، أنّه لا إشكال في جواز غيبة المتجاهر ، إمّا لعدم دخوله تحت عنوان الغيبة كما هو الأقوى ، أو خروجه عنها حكما على احتمال . إنّما الكلام في المراد من « المتجاهر » ، وهل أنّ جواز غيبته يختصّ بما تجاهر فيه ، أو أعمّ ؟ أمّا الأوّل : فالمتجاهر هو الذي يتجاهر بالمعصية مع علمه بها موضوعا وحكما ، بأن يعلم أنّ هذا المائع فقاع ، وأنّ الفقاع حرام ، ولو اشتبه عليه أحدهما لم يكن متجاهرا ، وبالجملة المدار على الحرمة الفعلية في حقّه لا على الحرمة الواقعية وان كان معذورا فيها ، فكلّ من يفعل فعلا ويعتذر فيه بعذر يحتمل في حقّه لا بدّ من حمل فعله على الصحّة ، ولا يكون متجاهرا إلّا أن يعلم بكذبه في دعوى العذر . أمّا الثّاني : فهل جواز غيبته يختصّ بما تجاهر فيه ، فلو كان متجاهرا بمعونة الظلمة لا يجوز غيبته بشرب الخمور وغيرها ، وأولى منه ما إذا كان متجاهرا بصغيرة فهل يجوز غيبته بكبيرة ، قد يقال بالأعمّ ، واستظهره في الحدائق من بعض أحاديث الباب . ولكن استظهر خلافه من كلام جملة من الأصحاب ، إلّا أنّه قال : الأحوط الاقتصار على ما ذكروه « 1 » . وفي الحقيقة دليله إطلاق الروايتين : 4 و 5 / 154 وقد مرّتا عليك ، وكذا إطلاق ما رواه في المستدرك الذي مرّ عليك أيضا ، ولكن الإنصاف أنّ مناسبة الحكم والموضوع مانعة عن إطلاقها ، أو يكون المراد من الفاسق الفاسق في جميع أفعاله أو أكثره ، بل لا يبعد أن يكون هذا هو المراد ممّن « ألقى جلباب الحياء » وعلى كلّ حال الأخذ بالعموم مشكل جدّا . وقد يقال : إذا كان الفسق المستور دونه في القبح يجوز غيبته به ، ولكنّه أيضا محلّ إشكال ، فقد يتجاهر الإنسان بالغيبة مع أنّها أشدّ من الزنا ، ولا يتجاهر بالزنا ، فهل يجوز غيبته بالثّاني لارتكابه الأوّل ؟
--> ( 1 ) . الحدائق ، ج 18 ، ص 166 .