الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

270

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

نهى فيها عن ثلاثة أشياء كلّ واحد علّة للآخر في الحقيقة ، وهي الظنّ السوء ، ثمّ التجسّس ، ثمّ الغيبة ، وفيها أبلغ تشبيه بالنسبة إلى قبح الغيبة وحقيقتها ، من حيث هتك الأعراض ، حيث شبّه اللّه تعالى عرض المؤمن بلحمه ، وغيبته بأكل لحمه ، وكونه على ظهر الغيب بكونه ميّتا ، واعتمد على تنفّر الطباع منه ، كي يبعثهم على ترك هذه المعصية الكبيرة بمقتضى عقولهم ، ثمّ أكّده بالأمر بالتقوى الباعث على كلّ خير ، وترك كلّ شرّ ، ثمّ أمر بالتوبة تلويحا ، ووعد قبولها بما يجلب القلوب إلى امتثال هذا الحكم . وقد استدلّ بآيات أخرى لا دلالة لها على المطلوب ، أو تكون أعمّ منه فالأولى صرف النظر عنها . ومن الإجماع بما هو ظاهر للكلّ ، بل لعلّ حرمتها من ضروريات الدين ، يعرفها كلّ من عاشر المسلمين ، ولو برهة قليلة من الزمان . ومن العقل بأنّها ظلم ظاهر لما فيها من هتك العرض وإهانة المؤمن وتحقيره ، بل وإيذائه إذا بلغه ، وفيها مفاسد كثيرة مضافا إلى ما ذكر ، وهي بثّ العداوة وإشعال نيران البغضاء ، وسلب اعتماد الناس بعضهم ببعض ، وأي إنسان لا يخلو عن عيب ؟ فإذا كانت العيوب مستورة كان الاعتماد والاخوّة بينهم حاصلة ، وإذا هتكت الستور تفرّقوا واختلفوا ، وانحلّت عرى الاخوّة ، مضافا إلى ما فيها من أسباب العداوة والبغضاء ، بل قد توجب سفك الدماء . وقد تكون إشاعة للفحشاء وسببا لجرأة العاصي على العصيان . وسبب الغيبة أمور كثيرة كلّها من الموبقات : منها الحسد والحقد والكبر والبخل والسخرية وغير ذلك ممّا ذكر في محلّ من علم الأخلاق ، عصمنا اللّه منها بحقّ محمّد وآله الأطهار من هذه الكبيرة الموبقة . أمّا السنّة : فهي روايات كثيرة جدّا ، منها ما يدلّ على أنّها أشدّ من الزنا ، لأنّها حقّ الناس والزنا حقّ اللّه ، مثل : 1 - ما رواه محمّد بن الحسن ( في المجالس والأخبار ) باسناده عن أبي ذرّ عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في وصيّة له قال : « يا أبا ذرّ إيّاك والغيبة ، فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا » ، قلت : ولم ذاك يا رسول اللّه ؟ قال : « إنّ الرجل يزني فيتوب إلى اللّه فيتوب اللّه عليه ، والغيبة لا تغفر حتّى تغفرها صاحبها » « 1 » .

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة ، ج 8 ، ص 598 ، الباب 152 ، من أبواب أحكام العشرة ، ح 9 .