الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

268

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

صاحب الحدائق نفسه : « بل هو في غاية البعد لعدم الدليل عليه » . هذا وقد عرفت أنّ النياحة المتعارفة في مجالس العزاء لا تدخل في عنوان الغناء ، لعدم كونها صوتا لهويا مناسبا لمجالس أهل الفسوق والعصيان ، فكأنّهم رأوا للغناء معنى عاما يشمل كلّ صوت حسن كما يظهر من بعض أهل اللغة ، فذكروا هذا مستثنى عنه ، أو استثناء الحداء وغيره أيضا من هذا القبيل ، وفيه ما عرفت من أنّها ليست كلّ صوت حسن ، بل صوت خاصّ . وأمّا ما استدلّ له من استقرار سيرة أهل الشرع عليه ، أو كونه معينا على البكاء وشبهه غير ثابت ، أو غير كاف ، أمّا السيرة فلعدم اتّصالها بزمان المعصوم ، وأمّا الإعانة على البكاء فلعدم جواز التوصّل بالحرام إلى أمر مستحبّ كما هو واضح ، فالحقّ خروجه عنه موضوعا ، ولو كان من ألحان أهل الفسوق لم يجز في المراثي قطعا . خامسها : في قراءة القرآن وقد حكى عن مشهور المتأخّرين نسبة استثناء الغناء فيه إلى صاحب الكفاية أيضا ، ولكن الظاهر من كلامه أنّه أخذ الغناء بمعنى وسيع يشمل كلّ صوت حسن فيه تحزين وترجيع ، ولكن قد عرفت أنّ معناه أخصّ من ذلك ، فليس مجرّد ، هذه الأمور بغناء ما لم يكن الصوت مناسبا لمجالس أهل الفسوق والعصيان . وعلى كلّ حال ما دلّ على استحباب حسن الصوت في القرآن وما ورد في شأن علي بن الحسين عليهما السّلام لا يدلّ على جواز الغناء فيه ولو بإطلاقه ، بل هو عليه السّلام خارج عن موضوع الغناء ، فلا تصل النوبة إلى معارضتها بأدلّة حرمة الغناء حتّى يتكلّم في النسبة بينهما ، ولو فرض التعارض بينهما ، فلا شكّ في تقديم أدلّة حرمة الغناء لأنّها أقوى ، ولأنّها من قبيل ما فيه الاقتضاء في مقابل ما لا اقتضاء فيه . ويدلّ على ما ذكرنا أيضا ما ورد من النهي عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق واتّخاذه مزامير « 1 » .

--> ( 1 ) . راجع الأحاديث 18 / 99 و 27 / 99 ، من أبواب ما يكتسب به و 1 / 24 من أبواب قراءة القرآن التي مرّت عليك سابقا .