الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

79

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

أضف إلى ذلك أنّه لو كان المراد منه الباطل الواقعي ، كانت الآية قليل الفائدة جدّا في ذاتها ، لعدم طريق إليه إلّا بدليل آخر يغني عنها . وبالجملة المراد بالآية النهي عن أكل المال بكل ما يعد باطلا عرفا ، كالغصب والرشاء والتطفيف وغيرها ، ومن المعلوم أنّه إذا باع شيئا ببيع المعاطاة ، ثم أراد استرجاعه بغير رضا المشتري كان أكلا بالباطل عرفا ، ولم يكن مصداقا للتجارة عن تراض ، وبالجملة كل ذلك امضاء لما عند العقلاء من الأحكام . والعمدة في الاستدلال بالآية وغيرها من أشباهها كون الفسخ في المقام مردودا عند العقلاء وباطلا عندهم ، فلا يلزم التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية . هذا ولكن يرد على الاستدلال بها أمران آخران : أحدهما : أنّه يختص بباب الأموال ولا يشمل العقود جميعا ، فلا تثبت أصالة اللزوم كقاعدة كلية في جميع أبوابها ، نعم يفيد في المقام أعني المعاطاة . ثانيهما : إنّ حصر سبب الحلية في « التجارة عن تراض » موجب لتخصيص الأكثر لتكثر أسبابها من الإباحة والإرث والهدية والوصية والجعالة وغيرها من أشباهها وهذا كاشف عن كون الحصر إضافيا ، فحينئذ يشكل الاستدلال بذيلها ويكون الذيل من قبيل ذكر مصداق لما ليس بالباطل المذكور في صدرها . 5 - التمسك بآية حلية البيع : واستدل للقاعدة أيضا بقوله تعالى : أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا « 1 » . وصدر الآية يدلّ على أن قيام المرابين في الحشر كقيام المصروع ومن مسّه الشيطان بالجنون ، لا يقدرون على المشي ويتخبطون فيه ، كما أن قيامهم في الدنيا أيضا كذلك ، فلهم جنون جمع الثروات من أي طريق ، ولو بظلم أحوج الناس وافقرهم ، وما هناك تجسم لما هنا . ثم تقول الآية : إنّ عذابهم هذا ناش عن قولهم « إنّما البيع مثل الربا » زعما منهم أنّ كليهما

--> ( 1 ) . سورة البقرة ، الآية 275 .