الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
78
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
3 و 4 - التمسك بآية حرمة أكل المال بالباطل : وقد دلّ الكتاب العزيز على حرمة أكل المال بالباطل إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ « 1 » ، فالفسخ عند الشك في صحته يقع مصداقا لحرمة أكل المال بالباطل ، كما أنّه مصداق لعدم كون التجارة عن تراض . فقال تعالى شانه : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ « 2 » . وقد استدل بصدر الآية على المطلوب تارة وبذيلها أخرى . امّا الأول : فلأن أخذ أموال الناس بغير رضاهم بعد الانتقال إليهم بعقد من العقود هو أكل للمال بالباطل ، فهو منهي عنه ، فما لم يثبت حق الرجوع شرعا كان الفسخ باطلا ، فهو نظير ما ورد في الآية 188 من سورة البقرة : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ الخ ، ومثل ذم اليهود في قوله تعالى : وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ « 3 » . وأمّا الثاني : فلأن ذيلها يدل على اعتبار كون التجارة عن تراض في جواز الأكل ، ومن الواضح أنّ الفسخ والرجوع من جانب واحد ليس تجارة عن تراض بينهما . وقد أورد على الوجه الأول بما يسقط الاستدلال بالوجه الثاني أيضا ، وحاصله : أنّ الآية بصدد المنع عن الباطل الواقعي ، لا الباطل العرفي ، فإذا شك في شيء أنّه باطل واقعا وعند اللّه أم لا ؟ لم يجز التمسك بعموم الآية ، لأنّه من قبيل التمسك بعموم العام في الشبهات المصداقية « 4 » . أقول : وهو عجيب ، لأنّ الأصحاب لا يزالون يحملون الالفاظ الواردة في أبواب المعاملات على مفاهيمها العرفية ، ولولا ذلك لم يجز الاستدلال بالعمومات الواردة فيها مطلقا .
--> ( 1 ) . سورة النساء ، الآية 25 . ( 2 ) . سورة النساء ، الآية 29 . ( 3 ) . سورة النساء ، الآية 161 . ( 4 ) . مصباح الفقاهة ، ج 2 ، ص 141 .