الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
489
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
الإنسان مرتبة متقدمة في العلم والفقه والعقل فغبطة المسلمين تقتضي أن لا يترك الاستشارة في أموره ، لا سيما في الخطيرة منها ، وإلّا فقد خرج عن وظيفته الواجبة عليه ، من مراعاة الصالح بل الأصلح ، وسقط عن مقامه السامي ، فليس للفقيه الاستبداد برأيه في شيء من الأمور الراجعة إلى مصالح المجتمع الإسلامي ، ولذا ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « من أستبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها » « 1 » . ومن المعلوم أنّ هلاك الوالي يؤدّي إلى هلاك الأمة أيضا ، بل وقد يؤدّي إلى هلاك الإسلام في برهة من الزمان . ولهذا أيضا ذكر اللّه الشورى في كتابه في عداد الصلاة والزكاة ، وجعلها من علامات الإيمان ، فقال عز وجل : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * . . . وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ « 2 » . وأي أمر أهمّ من أمر الحكومة ؟ بل إضافة الأمر إلى الجميع ، وكذا ذكر الانتصار في مقابل البغي بعده ، لو لم يوجب له ظهورا في الأمور الهامة التي لها صلة بالمجتمع ، فلا أقل من أنّها أظهر مصاديقها وأوضح مواردها . بل يظهر ذلك من أمره تعالى للنبي صلّى اللّه عليه وآله بالمشاورة مع المؤمنين وجعلها في عداد العفو عنهم والاستغفار لهم وجلب قلوبهم إلى الإسلام . فقال تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ « 3 » . إنّ المشورة مع الناس من أسباب جلب القلوب ومشاركتهم للوالي في الأمور ، واجتماعهم حوله وعدم انفضاضهم عنه ، وليست مشاورة النبي صلّى اللّه عليه وآله معهم ( وإن كان عالما
--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الحكمة 161 . ( 2 ) . سورة الشورى ، الآيات 39 - 36 . ( 3 ) . سورة آل عمران ، الآية 159 .