الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

490

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

بالأمور بتعليم اللّه ) أمرا صوريا ظاهريا ، لما في نفس هذا الأمر من المصالح كما قد يتوهّم ، بل ظاهر قوله تعالى : فَإِذا عَزَمْتَ أنّ عزمه كان بعد الشورى . والروايات في الحثّ على هذا الأمر كثيرة جدّا ربّما تبلغ حدّ التواتر ، وكفاك في ذلك ما يلي : الأولى : ما ورد في نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين عليه السّلام « والاستشارة عين الهداية قد خاطر من استغنى برأيه » « 1 » . فقد جعل الاستشارة عين الهداية ، لا طريقا إليها ! وهذا من أبلغ البيان لفوائد المشاورة ، ثم أكده بقوله : إن الاستبداد علة الخطر ومبدؤه . الثانية : قول رسول صلّى اللّه عليه وآله فيما روى الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام عنه صلّى اللّه عليه وآله كما في العيون : « من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة ، ويغصب الأمة أمرها ، ويتولى من غير مشورة فاقتلوه فانّ اللّه قد أذن ذلك » ! « 2 » . الثالثة : ما رواه بعض الصحابة قال : « ما رأيت أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله » « 3 » . والأمر بالقتل وإن كان للأمور الثلاثة وهو تفرق الجماعة ، وغصب الخلافة وترك المشورة اجمع ، ولكن عدّ ترك المشورة منها دليل على شدة اهتمامه صلّى اللّه عليه وآله بهذا الأمر ، بل يكون هو العلة في تفرق الجماعة وغصب أمر الأمة كما لا يخفي على الخيبر . فتحصل ممّا ذكرنا : أنّ المشورة للولي الفقيه ليست من قبيل المستحبات بل من أوجب الواجبات ، لما عرفت من أنّه الطريق الوحيد إلى تشخيص مصالح الأمة غالبا ، التي ليس للفقيه أن يتعداها ، مضافا إلى ما عرفت من الأوامر المؤكدة في ذلك في الكتاب والسنة التي ظاهرها الوجوب في الجملة . ومن هنا تظهر حكمة تأسيس مجلس النواب في الحكومة الإسلامية وأنّه قد تكون

--> ( 1 ) . نهج البلاغة ، الحكمة 211 . ( 2 ) . عيون أخبار الرضا عليه السّلام ، ج 2 ، ص 62 . ( 3 ) . السنن الكبرى للبيهقي ، ج 9 ، ص 218 .