الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

485

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

أولها : إنّ الأخذ بالقدر المتيقن يرشدنا إلى ذلك ، فإنه مبني على عدم جواز بقاء الناس بلا رئيس يصلح أمورهم ، وإلّا غلب الهرج والمرج عليهم ، واختل النظام وفسدت البيئة ، وظهر الفساد في البر والبحر ، ولم يبق للدين والدنيا زعامة وسلك الناس مسلك الانحطاط والتسافل ، فلا بدّ لهم من إمام لهذه الشؤون وحيث إنّه ليس هناك دليل عام على صلوح كل أحد لذلك ، فلا بدّ من الأخذ بالقدر المسلم ، وحيث إنّ الفقيه الجامع للشرائط أخبر بمواقع الأحكام ومصدرها ومخرجها ، وصلاح الأمة وفسادها واحتمال الانحراف عن مسير الحق فيه أقل ، فهو أحق من غيره . ومن الواضح أنّ هذا الدليل لا يقتضي إلّا تصديه لما فيه صلاح الأمة . وإن شئت قلت : إنّ الحكومة ليست من مخترعات الشرع ، بل كانت أمرا دائرا بين العقلاء من قديم الأيّام من زمن اختار الإنسان الحياء الاجتماعية ، والشارع المقدس أمضاها بقيود وشرائط . ومن المعلوم أنّها شرّعت بين العقلاء لحفظ مصالح المجتمع وغبطة الناس صغيرهم وكبيرهم رغم قلّة من قام بها وأدّى حقها ، ولكن كل يدعي ذلك فالحكومة على هذا الأساس قد أمضاها الشرع المقدس ، فلا يكون الفقيه ولا غيره مرخصا في الأخذ بغيرها ما فيه المصلحة للناس . كما أنّ حديث « مجارى الأمور » الذي هو من أحسن ما يدل على ولاية الفقه أيضا ينادي بأعلى صوته أنّ مجاري أمور ، إصلاح المجتمع وإقامة نظام الأمة لا العمل بما يريد وإن كان فيه ضرر على الأمة ، أو لم يكن فيه هذا ولا ذاك . وكذا رواية « الحوادث الواقعة » فإنّها إشارة إلى الحوادث المهمّة التي ترتبط بكيان الأمة وحياتها وسعادتها ، بل لو قلنا بأنّها تشمل كل حادثة فلا شك أنّ الرجوع إليهم إنّما هو لإصلاح أمر الحوادث ، والأخذ بما هو أحرى وأصلح ، لا أنّ الأمر مفوّض إلى الفقيه يأتي بما يشاء ويحكم بما يريد . وكذلك الحال في غير هاتين الروايتين . ثانيها : إنّ سيرة النبي صلّى اللّه عليه وآله الأعظم ووصيه أمير المؤمنين عليه السّلام التي هي المبني لولاية