الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

477

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

بل على بذل الطاعة والمساعدة ، فهي على عكس الانتخاب والوكالة ، ففي الوكالة يتعهد الوكيل على انجاز ما يريده موكله ما أبقاه في هذا المنصب ، وأمّا البيعة فهي تعهد من ناحية المبايع على أن يطيع لمن بايعه ولا يتخلف عن أمره ، فكأنّه يبيعه شيئا ، ولا يقدر على عزله عن هذا المقام ، وهذا بخلاف التوكيل فانّه يجعل الوكيل كنفسه ، وتصرفاته كتصرفاته ، وهذا أمر ظاهر ، ومن العجب وقوع الخلط بينهما في بعض الكلمات ، مع الاختلاف الواضح بين مغزاهما ومفهومهما . 2 - أدلة مشروعيتها قد وردت البيعة في كتاب اللّه في سورة الفتح ، في بيعة الشجرة في الآية 10 و 18 فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً . وقال تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وظاهر الأوّل وجوب الوفاء وعدم النكث . وقد أشير إليها أيضا في سورة الممتحنة عند ذكر بيعة النساء فقال تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً . . . فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ « 1 » ، فكان صلّى اللّه عليه وآله يجعل يده في ظرف من الماء وكانت النساء يضعن أيديهن في الظرف الآخر فتقع البيعة والمبايعة بها ( كما في التفاسير والتواريخ ) . وليس في كتاب اللّه غير هذه الآيات الثلاث بالنسبة إلى البيعة ، هذا وقد وقعت البيعة من الأنصار في أول إسلامهم في العقبة الأولى والثانية ، ويظهر منها أنّها كانت معروفة قبل الإسلام يعرفها العرب ، ولم تكن أمرا حادثا في الإسلام . هذا ولكن من الواضح أنّ البيعة للنبي صلّى اللّه عليه وآله لم تكن سببا لولايته على الناس ، فان الآيات القرآنية صريحة في أنّ اللّه جعله صلّى اللّه عليه وآله وليا على المؤمنين وأوجب طاعته بقوله : أَطِيعُوا اللَّهَ *

--> ( 1 ) . سورة الممتحنة ، الآية 12 .