الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
478
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ * و النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ « 1 » . ولذا لم تكن البيعة للنبي صلّى اللّه عليه وآله من كل من يدخل الإسلام ، فالإسلام يتحقق بالشهادتين وإظهار الإيمان بالوحدانية والنبوة لا بالبيعة . كما يظهر من التواريخ أنّه كان يأخذ البيعة من المسلمين أحيانا ، ويجددها عند وقوع بعض الحوادث الهامة ثانية وثالثة ، فبيعة الناس له لم تكن من قبيل انتخابه للولاية بل تأكيدا للطاعة وبذل الأموال والأنفس ، وهذا أمر ظاهر لا سترة عليه . كما أنّ الأمر بالنسبة إلى وصيه عليه السّلام أيضا كان كذلك ، فقد أوصى من أول أمره في وقعة الدار ، إلى آخر عمره الشريف بولاية علي عليه السّلام وقد أمر بتبليغ ولايته الإلهية في الغدير ، وأنّه إن لم يفعل فما بلغ رسالته ، فكان أخذ البيعة له حينئذ ، تأكيدا على الطاعة ، لا من قبيل انتخابه وفعلية ولايته ممّا لا يتفوه به من كان له أدنى خبرة بأحاديث ولاية مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام . ويجوز مثلها بالنسبة إلى الفقيه بعد ما جعله عليه السّلام حاكما وقاضيا على الناس ، وأمر بالرجوع إليه في الحوادث الواقعة ، وجعل مجاري الأمور بأيديهم ، إلى غير ذلك ، فالبيعة له أيضا تأكيد على ما أعطاه اللّه من المنزلة والمقام ، وكذا بناء على الدليل العقلي السابق . سلّمنا أنّ البيعة عقد مستقل بذاتها يجب الوفاء به ، ولا يختص بأحد دون أحد كما قد يبدو من بعض رواياتها ، ولكن الروايات الواردة في حكم البيعة ناظرة إلى وجوب العمل بها وليست في مقام بيان شرائط من يبايعه الناس ، وإن أبيت إلّا عن اطلاقها من هذه الجهة ، فهي تشمل الفقيه وغير الفقيه ، وتكون على خلاف المطلوب أدل ، فتدلّ على جواز اختيار كل إنسان صالح بحسب الظاهر للولاية ، أي شخص كان فقيها أو غير فقيه ، وجازت البيعة معه ، وإليك بعض ما ورد في هذا الباب : منها : عن المفضل بن عمر قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : كيف ما سح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله النساء حين بايعهن ؟ فقال : دعا بمركنه الذي كان يتوضأ فيه فصب فيه ماء ثم غمس فيه
--> ( 1 ) . سورة النساء ، الآية 59 ، وسورة الأحزاب ، الآية 6 .