الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
448
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
ولنتكلم أولا في ضرورة الحكومة للناس ، وأنّه لا بدّ لهم من أمير وحاكم ، ثم لنتكلم عن ما يدل على أولوية الفقيه في الإسلام بهذا المقام ، ثم نعقبه بشرائطها ثم حدودها ، فهذه أمور أربعة لا بدّ من البحث عنها . [ هنا أمور أربعة لا بد من البحث عنها ] الأول : ضرورة الحكومة للناس : أمّا الأوّل : فيمكن إثباته من طرق : أحدها : لا ريب في أن الحياة الإنسانية حياة تقوم على المجتمع ، فلو تجرّدت حياة من هذه الخصيصة انحدر الإنسان إلى أقصى مراتب الجاهلية الجهلاء والبهيمة والشقاء ، لأنّ جميع المنافع والآثار المطلوبة الحاصلة في المجتمع البشري من الحضارات والتقدم نحو الكمال ، والأخلاق والآداب والعلوم المختلفة ، إنّما تكون ببركة حياته الاجتماعية وما فيها من انحاء التعاون والتعاضد بين أفراد المجتمع وما يفضي من تكاتف القوى وتراكم الافكار وتلاقح القابليات ، فالانسان إذا عاش منفردا كان كأحد الحيوانات ، وإنّما أعطاه اللّه الميل والتجاذب نحو هذا اللون من الحياة كي يتحصل على هذه المنافع العظيمة ، والكمال اللائق بحاله في بعديه المعنوي والمادي ، وقد أكد الشارع المقدس على الاحتفاظ بهذا النوع من الحياة ، وجعله كأصل ثابت ، وكحجر أساس في جميع أحكامه وقوانينه ، كما لا يخفى على من سبر أحكام الإسلام بالدقة والتأمل . ثم من الواضح أنّ حياة الإنسان في المجتمع ، على رغم شتى البركات والمنافع الضرورية ، لا تخلو عن منافسات ومضاربات ومنازعات ، لا لغلبة الشهوات على الناس فحسب ، بل لما يقع هناك من الخطأ في تشخيص الحقوق وحدودها ، فلا بدّ لهم من قوانين تبيّن لهم ما يستحق كل واحد منهم ، وما هو طريق التخلص عن التزاحم ورد التعدي والتجاوز وغير ذلك ، وهذه القوانين بنفسها لا أثر لها في نفي هذه الأمور ، حتى يكون هناك من ينفذها ويجريها ، ولا يكون ذلك إلّا بايجاد الحكومة ولو بشكل ساذج بسيط . وإذا اتفق المتكلمون من أصحابنا وغيرهم ، على أنّ الإمامة واجبة بين المسلمين إلّا ما قد يحكى عن أبي بكر الأصم من العامة أنّها غير واجبة ، إذا تناصفت الأمة ولم تتظالم ، وهو شاذ جدّا « 1 » .
--> ( 1 ) . حكاه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ، ج 2 ، ص 308 .