الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
449
أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )
وكذا اتفق العقلاء من جميع الأمم على ضرورة الحكومة للمجتمعات البشرية عدا ما يلوح من الشيوعيين من عدم لزومها بعد تحقق الكمون المتكامل لأبناء البشر ، وبعد طرد النظام الطبقي فانّ الحكومة إنّما شرّعت - حسب زعمهم - لحفظ منافع الطبقة الحاكمة ، فإذا انتفى هذا النظام انتفت الحكومة . ولكن هذه كلها أوهام وتخيلات واهية لا وزن لها عندما نلمس الحقائق الراهنة في المجتمع البشري ، أمّا وصول الإنسان إلى مستوى عال من الأخلاق والتقوى الذي يطرد أي اختلاف وتنازع فهو أمر بعيد المنال لا ينبغي البناء عليه في هذه الظروف التي نعيش فيها وفي المستقبل على ما نعهده . سلّمنا تحقق ذلك ، ولكن هذا لا يغني عن الحكومة ، لأنّها ليست لدفع التزاحمات فقط ، بل هناك أمور كثيرة تتعلق بحياة المجتمع ليست في عهده فرد معين أو أفراد خاصين كبناء الطرق ، وجلب الارزاق ودفع الآفات والعناية بشؤون الصحة والتعليم والتربية ، وتنظيم البرامج الاقتصادية التي قد تهلك الأمة بدونها ، أو تقع في حرج شديد وعسر عسير ، فما ذكر من بلوغ الأمة إلى حد التناصف ، أو بلوغها إلى حدّ حذف الطبقة الظالمة على فرض تحققها ، إنّما يوجب غناء الأمة عن النظام القضائي وما يتعلق به فقط ، وأمّا ما تتصدى له الآن وزارة « الصحة » و « التعليم » و « الثقافة » و « الاقتصاد » مثلا ، وغير ذلك ممّا هو كثير ، فضرورتها باقية ما بقي الإنسان في المجتمع ، فحذف الحكومة من حياة الإنسان وهم في وهم ، وخيال في خيال ! وإن شئت جعل هذا الدليل في صبغة إسلامية ، فراجع كلمات المتكلّمين عند ذكر وجوب بعث الرسل وانزال الكتب ، أو وجوب نصب الإمام بعد ارتحال الرسول صلّى اللّه عليه وآله من دار الدنيا ، فانّه ينادي بأعلى صوته على ضرورة الحكومة في كل عصر وزمان ، مثل ما ذكره العلّامة الطوسي قدّس سرّه في شرح تجريد الاعتقاد حيث قال في بحث لزوم البعثة : « منها : أنّ النوع الإنساني خلق لا كغيره من الحيوانات ، فانّه مدني بالطبع ، يحتاج إلى أمور كثيرة في معاشه ، لا يتم نظامه إلّا بها ، وهو عاجز عن فعل الأكثر منها إلّا بمشاركة ومعاونة ، والتقلب موجود في الطبائع البشرية ، بحيث يحصل التنافر المضاد لحكمة