الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

447

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

فقد فوضوا عليهم السّلام إلى الفقهاء إقامة الحدود والأحكام بين الناس ، بعد أن لا يتعدوا « واجبا » ولا يتجاوزوا « أحدا » ، وأمر عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك ما استقاموا على الطريقة . ثم قال العلّامة قدّس سرّه : « والأقرب عندي جواز ذلك للفقهاء ، ثم استدل بأن تعطيل الحدود يقتضي إلى نشر الفساد وارتكاب المحارم ، وبما رواه عمر بن حنظلة وغير ذلك من الأحاديث الشاملة لإقامة الحدود وغيرها » « 1 » . والظاهر أنّهم ينظرون إلى إقامة الحدود كأحد مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو كذلك ، وقال الفقيه الماهر صاحب الجواهر قدّس سرّه : « في جواز ذلك ( أي الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا أدى إلى جرح أو قتل ) لنائب الغيبة مع فرض حصول شرائطه أجمع ، التي منها عدم الضرر والفتنة والفساد : لعموم ولايته عنهم قوّة ، خصوصا مع القول بجواز إقامة الحدود له ، وإن كان ذلك فرض نادر بل معدوم في مثل هذا الزمان » « 2 » . أقول : الحق ما ذكره هؤلاء الأعلام ، لما سيأتي إن شاء اللّه من الأدلة العامة الدالة على ولايته في أمثال ذلك ، مضافا إلى ما عرفت من الأدلة الدالة على جواز إجراء الحدود له ، الشاملة لما نحن بصدده ، بطريق أولى ( وقد مر الكلام فيه آنفا في المقام الثالث ) . وليعلم أنّ المراد بالجواز في جميع هذه المقامات هو الجواز بالمعنى الأعم الشامل للوجوب ، بل مصداقه هنا هو الوجوب ، لوجوب الوظيفتين كما لا يخفى . المقام الخامس : الولاية على الحكومة وهذه هي العمدة في هذه الأبحاث ، وإنّما تكلمنا في المقامات السابقة ليعلم أن ولاية الفقيه لا تنحصر في الولاية على الحكومة ، وإن كانت هي أظهر مصاديقها في عصرنا هذا .

--> ( 1 ) . مختلف الشيعة ، ج 1 ، ص 159 . ( 2 ) . جواهر الكلام ، ج 21 ، ص 385 - وما أفاده من أنه فرض نادر في زمانه عجيب ، يدل على غلبة أهل الأهواء في عصره بحيث لم يمكن إقامة الحدود فيه أصلا وليس كذلك في عصرنا بحمد للّه تعالى .