الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

147

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

والذي يمكن القول باستقرار بناء العقلاء على تداركه هو الصور الثلاث الأولى ، أمّا الصورة الأخيرة فلا دليل على لزوم تداركه وإن كان ظاهر كلمات الفقهاء ( قدس اللّه أسراهم ) عاما شاملا للجميع ، والظاهر انصراف قوله عليه السّلام : « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » عن ذلك ، نعم لو كان هذا الحكم حكما تعبديا أمكن الأخذ باطلاق الحديث لعدم قصور فيه ، ولكن لما كان امضاء لبناء العقلاء ، وقد عرفت عدم بنائهم على ذلك ظاهرا ، فيشكل إلّا بهذا الإطلاق ، بل يمكن الترديد في بناء الفقهاء على ذلك ، ولعل محل كلامهم غير هذه الصورة فتأمل . وسيأتي إن شاء اللّه مزيد توضيح ذلك . الدليل الثاني : قاعدة الاقدام التي استند إليها الشيخ قدّس سرّه في ما عرفت من المبسوط وحاصلها : أن البائع أو مثله إذا دخل في المعاملة على أن يكون ضامنا للعين بالعوض المسمى فقد أقدم على ضمانه ، ورضي بذلك ، ولما كان البيع فاسدا ولم يتمّ المسمى يكون الضمان بالمثل أو القيمة ثابتا لازما . أقول : الاقدام بحسب الصغرى وإن كان معلوما لا ريب فيه ، ولكن الإشكال في كبراه ، فان كون الإقدام سببا للضمان ممّا لم يدلّ عليه دليل عقلي ولا شرعي . نعم : إذا كان الإقدام من الطريق المعروفة الصحيحة عند الشرع والعقلاء ، أعني من طريق البيع الصحيح ونحوه ، كانت أدلة صحة البيع ونحوه دليلا على المقصود ، لكن المفروض كون البيع أو العقد فاسدا فيما نحن فيه . اللّهم إلّا أن ترجع هذه إلى قاعدة احترام المال والمنافع والأعمال ، ولكن الإنصاف أنّ قاعدة الاحترام تقضي الضمان وإن لم يكن من قصده الاقدام على الضمان . وبعبارة أخرى : تمام الموضوع في قاعدة الاحترام هو التسلط على مال الغير أو منافعه والمزاحمة في سلطانه بغير إذنه ورضاه ، سواء قصد الضمان أو لم يقصد بل قصد المجانية ، فرجوع الاقدام إليها بعيد جيدا . هذا وقد أورد عليها : بإنكار الصغرى تارة ، وعدم كونها جامعة مانعة ثانيا . أمّا الأولى : فإنّه أقدم على المسمى ولم يتحقق ، وأمّا الضمان بالمثل فلم يقدم عليه فالاقدام منتف .