الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

104

أنوار الفقاهة ( كتاب البيع )

بأحكامه وتعليماته حتى يقال لا نسلم تقديم الاستعمالات العرفية على القرآنية ، نعم للبحث في الصغرى مجال ، ولكن لا ينبغي الإشكال في الكبرى بعد قبول لزوم الإنشاء بما هو متفاهم العرف في كل عصر وزمان ، فتدبّر جيدا . ألا ترى أنّ لفظ « المكروه » في عرف القرآن يطلق على أكبر المحارم ، كما ورد في قوله تعالى : كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً « 1 » . بعد ذكر أكبر المحرمات كالزنا وقتل النفوس الأبرياء ، وأكل مال اليتامى ، في الآيات السابقة عليها ، مع أنّ هذه الكلمة صارت حقيقة في المكروه في مقابل الحرام ، في عرف أهل الشرع في الأعصار المتأخرة ، وعلى كل حال فالانصاف أنّ إيجاب البيع بلفظ « شريت » بدون ذكر قرينة مشكل في هذه الأعصار . هذا واحتمل جواز الإيجاب بلفظ « اشتريت » وحكاه في مفتاح الكرامة عن بعض نسخ التذكرة ، وتعليق الإرشاد ، وهذا أشكل من سابقه جدّا ، لأنّ الاشتراء في القرآن المجيد لم يستعمل إلّا في مقابل البيع ، فقد ورد واحد وعشرون مرّة في القرآن بصيغة « اشترى » و « اشتروا » و « تشتروا » و « يشترون » وغير ذلك كلها بالمعنى الذي ذكرنا ، غير مورد واحد وهو قوله تعالى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ « 2 » . فان ظاهر الآية كما ذكر جمع من المفسرين أنّه بمعنى « البيع » فقد باعوا أنفسهم الكريمة بثمن قليل من متاع الدنيا وزخارفها ، مع أنّه ليس لها ثمن إلّا الجنّة كما قال به أمير المؤمنين علي عليه السّلام في ما ورد في نهج البلاغة « 3 » . ولكن ناقش فيه في « المصباح » بما حاصله : إنّ علماء اليهود اشتروا أنفس العوام بثمن بخس ، وهو التوادّ والتحاب إليهم ، كما أنّ العوام اشتروا أنفسهم علماءهم بثمن زهيد ، وهو ما منحوهم من البر والصلة ومتاع الدنيا ، فصار كل منهما مشتريا لنفوس الآخرين « 4 » . ولا يخفى ما فيه من التكليف والتعسف الشديد المخالف لظاهر الآية الموجب لعدم

--> ( 1 ) . سورة الإسراء ، الآية 38 . ( 2 ) . سورة البقرة ، الآية 90 . ( 3 ) . كلمات القصار ، 456 . ( 4 ) . مصباح الفقاهة ، ج 3 ، ص 21 .