محمد جواد مغنية

91

في ظلال نهج البلاغة

وبعضها عليك ، إذا كان هذا أبرم الشيء الذي لك على خصمك وأحكمه من جميع جهاته بحيث لا يدع للخصم منفذا للنقص والتحرر منه ، أما الشيء الذي عليك لخصمك فيتبعه بأوصاف وقرائن تجعلك في حل متى أردت التحرر منه تماما كما يفعل الساسة الدهاة الآن وفي كل عصر . . . وهذا بعض الشواهد الكثيرة التي تدمغ وتكذب زعم الزاعمين بأن عليك لا يعرف السياسة . 6 - ( ولا يجهل مبلغ قدر نفسه إلخ ) . . لا يدعي ما ليس فيه ، ويتوقع الخطأ في رأيه ، ويتقبل الانتقاد ، ويحسن الاستماع ، ويمهل المتكلم حتى ينتهي من حديثه . 7 - ( ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك إلخ ) . . ليست الفراسة طريقا علميا أو شرعيا لمعرفة أي شيء حتى ولو كان حقيرا ، فكيف بالمصالح العامة والأمور الهامة هذا ، إلى أن الأشرار يلقون الحكام بالرياء والتصنع لينزلوهم منزلة الأخيار . . ولكن الحاكم الذكي يدرك واقعهم ويعاملهم بما هم أهل له . مقياس الحقيقة : ( ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك إلخ ) . . يختلف مقياس الحقيقة باختلاف طبيعتها ، فالحقيقة الدينية تقاس بالوحي من اللَّه ، والحقيقة الفلسفية تقاس بالفكر والعقل ، والحقيقة العرفية مقياسها أفهام الناس وعاداتهم ، والحقيقة العلمية تقاس بالمشاهدة والتجربة . وكذلك الرجال يعرف منهم الكفؤ بما يمارسه من الأعمال ، فالطريق إلى العلم بمهارة الطبيب أن يشفي المرضى ، ومهارة مهندس البناء تظهر في العمارة والبناية ، ولا نعرف خلق الوزير أو الموظف إلا إذا باشر مهنته حينا كافيا من الدهر ، فإن قام به كما يجب ، وذكره الناس بالخير والأمانة فهو كذلك ، وعلى الحاكم المخلص أن يؤثره على غيره ، ويركن اليه ، وقديما قيل : ألسنة الناس أقلام الحق . . وقال الإمام : من أصلح سريرته أصلح اللَّه علانيته ، ومن أحسن ما بينه وبين اللَّه أحسن اللَّه ما بينه وبين الناس . ( فإن ذلك دليل على نصيحتك إلخ ) . . إذا اخترت الأمين المجرب لمصالح العباد فقد نصحت للَّه ورسوله ، وأثابك بالحسنى وزيادة .