محمد جواد مغنية
82
في ظلال نهج البلاغة
الموظفين من البيوتات ، ومن البداهة ان الحكم يدور مدار علته وجودا وعدما ، فالذي لا يتصف بالكفاءة لا يجوز اختياره ، وان كان من أهل البيوتات ، ومن تحلى بها جاز توظيفه وإن لم يكن من البيوتات . الإمام ومطالب العمال : ( ثم أسبغ عليهم الأرزاق إلخ ) . . . ضمير « عليهم » يعود إلى العمال ، وقوله : « قوة لهم . . . وغنى لهم . . . وحجة عليهم » واضح لا يحتاج إلى تفسير ، والذي تجدر اليه الإشارة هو هذا الاهتمام البالغ من الإمام بمطالب العمال والموظفين ، وتحسين أوضاعهم في عصر كان ينظر فيه إلى العمال كمخلوقات غير إنسانية ، وأن الفقر والشقاء من القدر والسماء لا من الأرض والجور . والآن نقرأ ونسمع الكثير عن إضرابات العمال والموظفين في القطاعين : الخاص والعام ، في شرق الأرض وغربها يحتجون على الظلم والإجحاف ، ويطالبون بزيادة الأجور وضمان الحقوق ، ويتحملون نتيجة لذلك الكثير من التضحيات كالقتل والضرب وحرمان الأهل والعيال من القوت الضروري أيام الإضراب ، وفوق ذلك كله ان الإجحاف بحق العمال يولد الكراهية والصراع بين طبقات المجتمع وفئاته ، ويخلق المشاكل والقلاقل للحكومة والمواطنين على السواء . وقد تنبه الإمام إلى ذلك قبل غيره بمئات السنين ، وأوصى المسؤولين أن يهتموا بالعمال ، ويسبغوا عليهم الأرزاق تلافيا لكل ضرر وفساد ، ومن قرأ الكتب القديمة من عهد أفلاطون إلى القرن التاسع عشر - لا يجد كاتبا أو عالما أوصى بالعمال والعناية بهم كما فعل الإمام . كانت فلسفة أفلاطون تعبر عن طبقته . وهكذا غيره من الفلاسفة والأدباء . . . أما فلسفة الكثير من الفقهاء الأجلاء فهي التسليم الذليل لسلطان الزمان والخاقان ابن الخاقان . . . وغريبة الغرائب ان هؤلاء ينسبون أنفسهم إلى الإمام ، ويدعون العمل بتعاليمه ، بل ويتكلمون باسمه . ( ثم تفقد أعمالهم ، وابعث العيون إلخ ) . . . يشير الإمام بهذا إلى مبدأ التفتيش على الموظفين كما هو الشأن بالنسبة إلى القضاة ، وتقدم الكلام في ذلك ، ونضيف ان الموظف إذا أيقن أنه مراقب وان أخباره تصل بتمامها إلى رئيسه - تحفّظ كل التحفظ ،