محمد جواد مغنية
81
في ظلال نهج البلاغة
( فاستعملهم اختيارا ، ولا تولهم محاباة وأثرة ) . الموظف - كما أشرنا - أجير عند الأمة ، ومؤتمن على مصالحها ، ومن أجل هذا وجب أن يختار على أساس الكفاءة لا على أساس الصداقة والقرابة . . . وهذه الوصية من الإمام لعامله هي لمجرّد التوكيد ، أو من باب ليطمئنّ قلبي ، أو لبيان ما يجب أن يكون عليه العامل بوجه العموم ، لأن أي عامل يكون كفؤا في واقعه فيختاره الإمام على هذا الأساس - لا بد وأن يختار هو بدوره عمالا أمناء نصحاء تماما كما اختير هو ، وأيضا لا بد وأن يؤدي موظفو العامل واجبهم على الوجه الأكمل لأنهم أكفاء كما هو الفرض . وفي الخطبة 214 أشار الإمام إلى ذلك بقوله : فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة . وقال أرسطو للاسكندر : « ليس أصلح للناس من أولي الأمر إذا صلحوا ، ولا أفسد لهم منهم إذا فسدوا ، وان الوالي من الرعية مكان الروح من الجسد ، وبموضع الرأس من البدن ، والإمام يصلح من يأتم به ، أما المؤتم فلا يصلح الإمام » . ولو بحثنا عن السبب الموجب للتخلف وفساد الأوضاع في كل زمان ومكان - لوجدناه في فساد الحكام وإفسادهم ، وضلالهم وأهوائهم . ( فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة ) . وضمير التثنية في « انهما » يعود إلى المحاباة والأثرة ، وفي بعض النسخ « انهم » بالجمع وهي خطأ . وليس من شك ان المحاباة جور ، لأنها تنتهب المراتب من أهلها ، وتسندها إلى الأذناب والمحاسيب ، وأن الأثرة خيانة ، لأنها من وحي الهوى ومرض القلب . . . ومن البداهة عند كافة الناس ان الطريق إلى معرفة الكفاءة والمؤهلات هو الاختبار والامتحان . وقديما قيل : عند الامتحان يكرم المرء أو يهان ، وأيضا من البداهة ان قوام الكفاءة بالمعرفة والأمانة . ( وتوخ منهم - إلى المتقدمة ) . المراد بالتجربة المعرفة ، وهي الشرط الأول للكفاءة ، أما الشرط الثاني ، وهو الأمانة ، فأشار اليه بالحياء ، لأنه يزجر صاحبه عما يشين . وقال رسول اللَّه ( ص ) : « من ولي من أمور المسلمين شيئا فولَّى رجلا وهو يجد من هو أصلح منه فقد خان اللَّه ورسوله » . أما أهل البيوتات فهم وسيلة لا غاية ، كما أشرنا عند الحديث عن الجنود ، والى ذلك يشير الإمام هنا بقوله : ( فإنهم أكرم أخلاقا إلخ ) . . . هذا بيان للعلة الباعثة على اختيار