محمد جواد مغنية

54

في ظلال نهج البلاغة

الاحتفاظ بهيبة الحكم وسيادته بحيث لا يكون مغلوبا على أمره . وبهذا يحصل التوازن بين الحقين في غير عنف وتعسف . الديمقراطية : ( وأعمها في العدل ) أي على الراعي قبل كل شيء أن يعمل لمصلحة الجميع بلا استثناء ، فإن تعذر عليه أخذ بالأهم الأعم ، وهو مصلحة الأكثرية ( فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة ) إذا طلبت الأقلية من الحاكم أن يغدق عليها الامتيازات التي تمكنها من رقاب الأكثرية واستغلالهم - فعليه أن يرفض ولا يستجيب ، أما من الوجهة الدينية فواضح لمكان الظلم والجور ، واما من الوجهة السياسية فلأن سخط العامة يهز كيان الدولة بالاضرابات والمظاهرات ، وربما بالثورة المسلحة ، ورضا الخاصة لا يجدي شيئا في هذه الحال ، والعنف يزيد النار اشتعالا . أما سخط الأقلية فلا يترتب عليه أي محذور ، ومن أجل هذا فهو مغفور ، بل مشكور في جانب رضا العامة ، وهذا ما أراده الإمام بقوله : ( وان سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة ) . وقال المتشرع الفرنسي الشهير « مونتسكيو » في كتابه « روح الشرائع » الذي ترك أثرا بالغا في عالم التشريع حتى يومنا هذا ، وترجم إلى جميع اللغات الأوروبية ، وكثير غيرها ، منها العربية ، قال : تنقسم الحكومات إلى أنواع : الحكومة المستبدة ، وهي التي يحكمها فرد واحد بلا قانون ونظام ، ويحمل الجميع على إرادته وأهوائه . والحكومة الملكية ، ويحكم فيها واحد ، ولكن وفق قوانين مقررة ثابتة . والحكومة الأرستقراطية ، ويحكم فيها فريق خاص . والحكومة الديمقراطية ، ويحكمها الشعب . وهذه الحكومة الديمقراطية تنشدها جميع الشعوب ، ويؤمن بها كل فيلسوف ومتشرع يهدف إلى الخير والصالح العام ، ويتغنى بها الأدباء والشعراء الأحرار ، ونصت عليها في المادة الأولى الدساتير التي وضعتها المجالس النيابية في الشرق والغرب ، وهي بالذات التي عناها الإمام بقوله : ( فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة ، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة ) . ومعنى هذا في واقعه ان الحاكم وكيل عن الجماعة لتأمين غاياتها وأهدافها ، وممثل للسلطة لا مالك لها ، وانه يبقى في الحكم ما دام أمينا ومخلصا .