محمد جواد مغنية

51

في ظلال نهج البلاغة

تخلو صحيفته من هفوة ما دام يعيش مع الناس ، ويحتك بهم . . حتى الذي يعيش معتزلا قد يخطئ ويقصر بحق خالقه ، ولكنه تعالى يعفو ويصفح عمن يطلب منه العفو والصفح . قال ، عز من قائل : * ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ ا للهِ إِنَّ ا للهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ) * - 53 الزمر . فجدير بالعبد أن يعفو عمن أساء اليه . والعاقل يعامل الناس كأنه لا عدو له فيهم ولا حاسد ، وليس من شك ان الغلبة للحليم . ( فإنك فوقهم ) كأمير ( ووالي الأمر عليك فوقك ) لأنه اختارك وعيّنك ( واللَّه فوق من ولاك ) لأن الكل في قبضته ، فأنا وأنت والرعية جميعا متساوون في العبودية للَّه والافتقار إلى رحمته وعنايته . فلما ذا التكبر وعلى من ( واستكفاك أمرهم وابتلاك بهم ) . الخلق أمانة الخالق عند الحاكم يمتحنه سبحانه بهم ، فإن ساسهم بالحسنى كافأه بأحسن منها ، وإلا حقت عليه كلمة العذاب . ( ولا تنصبن نفسك لحرب اللَّه - إلى - مندوحة ) . لا تحدث نفسك بمعصية اللَّه ، فيحل عليك غضبه وعذابه ، ولا طاقة لك على دفعه وتحمله . . . وأيضا لا غنى لك بمال أو جاه عن عفو اللَّه ورحمته ، وان عفوت عمن أساء إليك فلا تندم على ما فعلت ، فإن العفو خير وفضل . . . وأيضا لا تفرح إذا شفيت غيظك من عدوك ، واذكر قوله تعالى : * ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ ) * 237 البقرة . ولا تعتدي على مخلوق حتى ولو كان بمثل ما اعتدى عليك ، ان لم يكن العفو تشجيعا له على الشر والعدوان . ( ولا تقولن : اني مؤمر إلخ ) . . . أي أمير ، والمراد بالإدغال الإفساد ، وبالمنهكة الضعف : وبالغير - بكسر الغين - نوائب الدهر ، والمعنى لا تغتر بمنصب الرياسة ، وتقول : أنا الأمير الآمر الناهي ، وما على الناس إلا أن يسمعوا ويطيعوا ، لأن هذا غرور يفسد القلب ، ويضعف الدين ، ويلقي بصاحبه إلى التهلكة . ( وإذا حدث لك - إلى - عقلك ) . إذا نفخ الشيطان في أنفك من الكبر ، ووسوس في خيالك انك شامخ وعريض « تحكي انتفاخا صورة الأسد » كما قال الشاعر الساخر ، إذا حدث لك شيء من هذا فاستعذ باللَّه من الشيطان ، وتذكر عظمة اللَّه التي لا يدانيها شيء ، وانك في قبضته لا تملك لنفسك نفعا ولا ضرا