محمد جواد مغنية
437
في ظلال نهج البلاغة
2 - ( المنكر بلسانه وقلبه والتارك بيده إلخ ) . . قام هذا بواجبين من الثلاثة ، وعليهما يثاب ، وأهمل الثالث وهو الإنكار باليد ، فيلام عليه ويؤاخذ ، حيث تركه مع القدرة عليه ، كما هو الغرض المفهوم من قول الإمام : « ومضيّع خصلة » لأن معنى مضيّع مقصّر لا قاصر ، وقادر لا عاجز . 3 - ( المنكر بقلبه والتارك بيده ولسانه إلخ ) . . أدّى واجبا واحدا ، وأهمل اثنين . . وهذا هو الإيمان الضعيف ، أو الأضعف ، أو لا إيمان إطلاقا بمعناه الصحيح ، وإنما هو خطرات وتصورات . وسبق ان نقلنا عن أصول « الكافي » قول الإمام جعفر الصادق : « الإيمان عمل كله ، ولا إيمان بلا عمل » . أي لا أجر وثواب على إيمان مجرد عن عمل محسوس ملموس . ( ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه وقلبه ويده إلخ ) . . وأشرنا اليه في صدر هذا الكلام ( وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل اللَّه إلخ ) . . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جامع لخصال الخير بكاملها بما فيها خصلة الجهاد ، ومانع من خصال الشر بأسرها إذا توافرت في صاحبه الصفات التي ذكرها الإمام جعفر الصادق بقوله : « ان صاحب الأمر بالمعروف يحتاج إلى أن يكون عالما بالحلال والحرام ، فارغا من خاصة نفسه مما يأمر به وينهى عنه ، ناصحا للخلق ، رحيما بهم ، رفيقا لهم ، داعيا باللطف ، صابرا على ما يصيبه منهم وبسببهم ، لا يكافئهم على ما يؤذونه به ، بل ولا يشكو ذلك ، ولا يستعمل الحميّة ، ولا يغتاظ لنفسه ، مجرّدا نيته للَّه وحده ، مستعينا به ، مبتغيا لوجهه ، فإن خالفوه صبر ، وان وافقوه شكر ، مفوضا أمره إلى اللَّه ، ناظرا إلى عيبه » . وليس من شك ان الأمر بالمعروف مع هذه الصفات يأتي بخير الثمار ، ولا يعادله شيء إلا ( كلمة عدل عند إمام جائر ) لأن قائلها ما أبقى عذرا لمتخوف ومتهاون بصراحته وجهره بكلمة الحق مهما كان ثمنها . وأبلغ ما قرأت عن هذه الجرأة والتضحية : ان الأديب العالم المعروف بابن السكَّيت كان يوما في مجلس المتوكل المبغض المعلن بالعداء للإمام أمير المؤمنين ، فقال لابن السكَّيت : هل ولداي : المعتز والمؤيد أحب إليك أم الحسن والحسين ، فقال له : ان قنبرا خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ولديك . . فأمر المتوكل بسل لسانه من قفاه فسل ، ومات في ساعته ، وابن سكيت هذا هو القائل :