محمد جواد مغنية
436
في ظلال نهج البلاغة
بلسانه وقلبه ويده فذلك ميّت الأحياء ، وما أعمال البرّ كلها والجهاد في سبيل اللَّه عند الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر إلَّا كنفثة في بحر لجّيّ ، وإنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل ، ولا ينقصان من رزق . وأفضل من ذلك كلَّه كلمة عدل عند إمام جائر . المعنى : من حضر وشاهد فعلا تتفق العقول على قبحه وتحريمه ، لا بد أن يتخذ لنفسه موقفا منه سلبيا أو إيجابيا ، والمراد بالموقف السلبي أن يتجاهل ما يرى ، كأنه لم يكن شيء ، أو لا علاقة له بما كان من قريب أو بعيد . . وليس من شك ان هذا مجرم خارج على الدين والعقل والعرف ، بل لا يستحق اسم الإنسان بمعنى الكلمة ، وقد نعته الإمام في هذه الحكمة بميت الأحياء . وأكثر علماء هذا العصر أو الكثير منهم يرون الباطل ولا يشعرون ، والسر ما أشار اليه الإمام من أنهم موتى بين أحياء : « ما لجرح بميت إيلام » . وأسوأ من هذا وأعظم جرما من يرضى بالمنكر ويشجعه ، لأن العامل بالظلم ، والمعين عليه ، والراضي به - شركاء . أما إذا وقف منه موقف الغاضب المنكر فينظر : هل أنكر بكل ما لديه من طاقة ، أو ببعضها . واليك التفصيل : 1 - ( المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه ، فذلك المستكمل لخصال الخير ) أي أدّى ما عليه كاملا وافيا ، وقام بالواجبات الثلاثة ، ولم يترك واحدا منها . ولم يشر الإمام إلى دفع المنكر بالمال إذا دعت اليه الحاجة ، وكذلك فعل رسول اللَّه ( ص ) حين قال : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » . والسبب الموجب لترك الإشارة إلى المال في باب الأمر بالمعروف هو أن بذل المال يدخل في باب الأخماس والزكوات ، وأيضا يذكر في آيات الجهاد وأحاديثه كقوله تعالى : * ( انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ) * - 41 التوبة . وقول الرسول الأعظم ( ص ) : « من جهز غازيا فقد غزا » فأغنى ذكره هناك عن ذكره في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .