محمد جواد مغنية

367

في ظلال نهج البلاغة

( والقصاص حقنا للدماء ) كما في الآية 179 من سورة البقرة : « ولكم في القصاص حياة » . ( وإقامة الحدود إعظاما للمحارم إلخ ) . . الإسلام نظام إصلاحي لنواحي الحياة ، والإصلاح يستدعي العقوبة للردع عن الجرائم والفواحش ، ومنها القذف والزنا والسرقة وقطع الطريق وشرب الخمر ، وهذه المحرمات هي التي أشار إليها الإمام بكلمة المحارم . . هذا ، إلى أن الخمرة تذهب بالعقل ، والسرقة خسة ودناءة ، وبالزنا تضيع الأنساب ، وباللواط تنقطع الذرية . ( والشهادة استظهارا على المجاحدات ) بعض الشارحين فسر الشهادة هنا بالوسيلة لإثبات الحق والحجة الدامغة لمن جحده وأنكره ، أما الشيخ محمد عبده فقذ فسّر الشهادة بالاستشهاد والموت لنصرة الحق وقهر الباطل وأهله . وكل من التفسيرين صحيح في نفسه ، ودلالة الكلام لا تأباه ( وترك الكذب تشريفا للصدق ) . الصدق فضيلة ، ما في ذلك ريب ، ولكن لا لذاته وبما هو ، بل لأن الحياة لا تقوم إلا به ، ولولاه لاختل نظامها ، ولذا يسوغ الكذب لردع الظالم عن الظلم ، ولا صلاح ذات البين ، ولتطمين المريض وتسكينه . ( والسلام أمانا من المخاوف ) . وفسر الشارحون السلام هنا بالتحية وردها . وهذا التفسير بعيد عن دلالة اللفظ ، لأن كلمة المخاوف توحي بالحرب على مستوى أوسع منها بين اثنين . والحرب الحامية خراب ودمار ، وتقتيل وتشريد ، والحرب الباردة قلق وعناء ، وفقر وشقاء ، تحرم الشعوب من خيراتها وأقواتها ، وتبذرها على القواعد العسكرية ، وأسلحة الموت والفناء . . والسلام أمان من هذه الويلات وغيرها ، وضمان لنمو الحياة وتقدمها . ( والأمانات نظاما للأمة ) . الأمانة تماما كالصدق لا يقوم للحياة نظام إلا بهما معا ، وقد ساوى النبي ( ص ) بينهما بقوله : « لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم . . وانظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة إلى البر والفاجر فيما قل وجل » . ( والطاعة تعظيما للإمامة ) أي لأولي الأمر الذين يعلمون ويعملون بكتاب اللَّه وسنّة نبيه . قال سبحانه : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا ا للهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) * - 59 النساء وطاعة اللَّه هي العمل بكتابه ، وطاعة الرسول العمل بسنته ، وطاعة أولي الأمر تنحصر في تنفيذ أحكام الكتاب والسنة ، والدليل القاطع الواضح