محمد جواد مغنية
346
في ظلال نهج البلاغة
ففعل عيسى ، وحملت الجارية إلى الرشيد ، وهو في مجلسه ، فقال الرشيد لأبي يوسف بقيت واحدة . قال : وما هي قال : هي جارية ولا بد أن تستبرىء بحيضة ، وإذا لم أبت معها ليلي هذا خرجت نفسي . قال أبو يوسف : أعتقها فتصبح حرة ، واعقد عليها بعد العتق فإن الحرة لا تستبرىء ، فأعتقها الرشيد ، وعقد له عليها أبو يوسف ، وقبض مئتي ألف . . كل ذلك حدث في ساعة واحدة ، وقبل أن يقوم الرشيد من مكانه . وهكذا مشايخ الرياء وقلانس السوء يكيفون الدين طبقا لأهواء من يدفع الثمن . ( ومن التوفيق حفظ التجربة ) من توفيق اللَّه وعنايته بالانسان أن ينجح في تجاربه لاكتشاف الحقيقة التي ينتفع الناس بثمارها مدى الأجيال ، كالطبيب يكتشف عقارا سحريا للقضاء على جرثومة الداء وأسبابه ، والعالم يخترع آلة تقرب البعيد ، وتيسر العسير . . ولا أشك ان هؤلاء من أحباء اللَّه وأهل جهاده . . كيف وقد أجروا ألوف التجارب ، وبذلوا الكثير الكثير من أرواحهم وأجسامهم ليعطوا عباد اللَّه وعياله ما ينتفعون به ويسعدون ونصر اللَّه سبحانه ونشر دينا قال نبيه : خير الناس أنفع الناس للناس . ( والمودة قرابة مستفادة ) القرابة مأخوذة من القرب ، وهذا القرب يكون طبيعيا كالنسب ، ومكتسبا كالصداقة ، وهي برغم ذلك أقوى من النسب والرحم ، وأية جدوى في قرابة من غير مودة وهل تحلو الحياة بلا صداقة وهل من شيء أجمل من الاخلاص والوفاء ، والهمس والانفتاح ( ولا تأمنن ملولا ) لأن الملل آفة الحياة لا الصداقة فقط ، فالملول لا يستقر على حال من القلق ، يشرق ويغرب ، ويفعل ويترك ، ويقترب ويبتعد بلا سبب موجب . 211 - عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله . المعنى : ألدّ أعدائك على الإطلاق هو الذي يحسدك على أي خير تصيبه ، ويسعى جاهدا ليحول بينك وبينه . . والعجب يشل العقل ، ويحول بينه وبين تهذيب النفس وهدايتها إلى الخير والكمال ، ومن هنا كان شأنه كشأن الحاسد مع المحسود . .