محمد جواد مغنية
314
في ظلال نهج البلاغة
العلم والخبرة ، فحكم وتحكَّم بكنوزنا وثروتنا ، ونحن نتفرج كالجالسين على مقاعد السينما . قالوا بلسان العمل : ربي زدني علما . وقلنا بلسان الكسل : زدني جهلا . ومنذ سنوات قرأت كلمة حول المال لكاتب مصري قال فيها ، وهو يتظرف ويتكلف : « كان فيما مضى حكيم فقير لا يملك شيئا من المال قال : المال خير من العلم » . ولو كان لهذا المتفلسف مثقال ذرة من علم لقال : إن صاحب هذه الحكمة سبق زمانه بأكثر من ألف وثلاثمئة عام حين تنبأ بمكانة العلم وعظمته في عصرنا وفي كل عصر يأتي من بعده . ( هلك خزان الأموال وهم أحياء ) أي وهم غارقون في الترف والملذات ، وهلكوا لأنهم تنازلوا عن انسانيتهم لأعداء الانسانية ، ونفذوا كل ما يراد منهم على حساب دينهم ووطنهم وأمتهم ( والعلماء باقون إلخ ) . . ما بقيت الأجيال تنتفع بثمار عقولهم وجهودهم دون مقابل ( إن ها هنا لعلما إلخ ) . . تقدم الكلام عن علم الإمام وسببه عند شرح قوله : « سلوني » في الخطبة 91 ج 2 ص 55 . ثم أشار إلى أن طلاب العلم في عهده أربعة أصناف ، وهم بين قاصر ومقصر لا يصلح للعلم وحكمته : 1 - ( بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه ) اللقن - بفتح اللام وكسر القاف - السريع الفهم ، وضمير « عليه » يعود إلى العلم ، والمعنى ان الذي يفهم العلم ويهضمه خائن يتخذ من علمه أداة للصوصية ، ويستطيل به على الأكفاء والأولياء . 2 - ( أو منقادا لحملة الحق إلخ ) . . أحنائه : نواحيه ، وينقدح يخرج ويظهر أي ان هذا الثاني طيب القلب ينقاد للحق وأهله ، ولكنه ساذج لا خبرة له وبصيرة ، تهتز عقيدته لأدنى شبهة ، ويصبح ألعوبة بأيدي الأبالسة والشياطين . 3 - ( أو منهوما باللذة إلخ ) . . إذا رأى حلاوة الدنيا وزينتها سال لعابه ، وطار علمه وصوابه . 4 - ( أو مغرما بالجمع إلخ ) . . لا أمنية له إلا المال وجمعه وادخاره ، فهو شغله الشاغل ، لا يخفق قلبه إلا له ، ولا يلهج لسانه إلا به . ( كذلك يموت العلم بموت حامليه ) يريد بحامليه نفسه الزكية ، ومن البداهة ان موت كل شيء يموت أهله علما كان أو جهلا ، دينا أم إلحادا . . وإذا مات أهل العلم خلفهم الأدعياء - في الأغلب - فيضللون ويفسدون ، كالكثير من المتسمين به في عصرنا .