محمد جواد مغنية
307
في ظلال نهج البلاغة
138 - تنزل المعونة على قدر المئونة . المعنى : كثرة العيال تبعث على التفكير وبذل الجهد إلى أقصى حد ، لسد حاجة العيال والأطفال ، واللَّه سبحانه مع المعوزين المناضلين يمدّهم بالعون والتوفيق ، ويمهد لهم السبيل ، والأمثلة كثيرة على ذلك ، ومنها هذه النادرة الطريفة : قال صاحب « الأغاني » وغيره : إن أعشى قيس كان من أعلام الشعر في الجاهلية ، وأوفرهم حظا ، ما مدح قوما إلا رفعهم ، وما هجا قوما إلا وضعهم ، وكان في عصره رجل مملق ومغمور ، اسمه المحلَّق الكلابي ، وله العديد من البنات ، وما طلبهن أحد لفقره ، فألهم اللَّه زوجته أن تشير عليه بالتصدي للأعشى فيستضيفه ويكرمه ، عسى أن يقول فيه أبياتا من الشعر فيرغب الناس في بناته . قال صاحب الأغاني : لما سمع المحلق هذا من زوجته قال لها : ويحك ما عندي إلا ناقتي ، وعليها الحمل . قالت اللَّه يخلفها عليك . فقال لها : وكيف بالشراب والطيب قالت : عندي منه ذخيرة . ولعلي أن أجمعه . فتعرض المحلق للأعشى ، وأخذه إلى خيمته ، ونحر له ناقته ، وكشط له عن سنامها وكبدها ، وسقاه ، وأحاطت به بنات المحلق يخدمنه ويمسحنه بالطيب ، فقال الأعشى : ما هذه الجواري قال المحلق : بنات أخيك ، وهن ثمان ما تزوجت منهن واحدة . ولما خرج الأعشى من عنده أنشد فيه قصيدة فسارت وشاعت ، وما مضى أمد قصير حتى زوّج جميع بناته . 139 - ما أعال من اقتصد . المعنى : ما أعال : ما افتقر إلى الناس وان كثر عياله ، واقتصد اعتدل ولم يسرف في الإنفاق ، ووضع كل شيء في موضعه . ونقل عن سقراط أنه قال : الجواد من أعطى من دنياه لآخرته ، والبخيل لا يعطي دنياه ولا آخرته ، والمسرف يعطي دنياه دون آخرته ، والمقتصد يعطي كل واحدة نصيبها .