محمد جواد مغنية
279
في ظلال نهج البلاغة
رأيت أمير المؤمنين ( ع ) ذات ليلة ، وقد خرج من فراشه ، فنظر في النجوم وقال : ( طوبى للزاهدين في الدنيا إلخ ) . . وهم الذين يقنعون بما تيسر . . لا يردون موجودا ، ولا يتكلفون مفقودا ، وان دعت الضرورة إلى النوم على الأرض ناموا عليها غير ساخطين ولا حاسدين . ( وماءها طيبا ) من الطيبات لا من الطيب الذي كان يحبه رسول اللَّه ( ص ) ( والقرآن شعارا ) يحرصون على تلاوته والعمل بأحكامه ( والدعاء دثارا ) يواظبون على الدعاء خوفا وطمعا . وقيل : الشعار كناية عن تلاوة القرآن سرا ، لأن أصل الشعار ما يلي البدن من اللباس ، والدثار كناية عن الدعاء جهرا ، لأنه ما ظهر من الثياب ( ثم قرضوا الدنيا قرضا ) وما خضموها خضما ، والفرق بين القرض والخضم أن القرض أكل بأطراف الأسنان ، والخضم أكل بالفم كله ، والمعنى ان الزاهدين أخذوا من الدنيا قوت من لا يموت . ( في مثل هذه الساعة من الليل ) أي بعد نصف الليل ، كما يتبادر إلى الفهم من السياق ، وهي ساعة عزلة وهدوء وتأمل ، يستطيع الإنسان في هذا الوضع أن يتجه إلى خالقه سبحانه ، ويدعوه بإخلاص ، وهو سبحانه يستجيب كما وعد في الآية 186 من سورة البقرة : « وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي » . فمتى استجاب العبد لربه وأطاعه استجاب الرب لعبده وأرضاه . وأشار الإمام إلى هذا الشرط بقوله : ( الا ان يكون عشارا أو عريفا أو شرطيا أو صاحب عرطبة ) . وبكلمة أن يكون مطيعا لا عاصيا ، أما ذكر العشار وما بعده فهو من باب الإشارة إلى الشيء ببعض مصاديقه وأفراده ، والعشّار الجابي ، والعريف : المراقب . والشرطي معروف ، وعرطبة فسّرها الشريف الرضي بالطنبور ، وهو آلة موسيقية طويلة العنق ذات أوتار . وأظنها العود . 104 - إنّ اللَّه افترض عليكم الفرائض فلا تضيعوها ، وحدّ لكم حدودا فلا تعتدوها ، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت لكم عن أشياء ولم يدعها نسيانا فلا تتكلَّفوها .