محمد جواد مغنية
256
في ظلال نهج البلاغة
والإلفة بينه وبينها ، وازداد بالدنيا أملا وتعلقا ، وقد شاع وذاع : « إذا شاب المرء شابت معه خصلتان : الحرص وطول الأمل » . ( ويقرب المنيّة ) لأن العمر في إدبار ، والموت في إقبال ، كما في الحكمة 28 ( ويباعد الأمنية ) لقرب المنية ( من ظفر به نصب ، ومن فاته تعب ) . الهاء في « به وفاته » تعود إلى مال الدهر ومتاعه ، والمعنى من نال شيئا من مال الدهر غرق في الغرس والتعمير والتجارة والتثمير ، وإن حرمه الدهر كدح واجتهد سعيا وراء المال . . واذن هو في تعب دائم معدما ومثريا . والخلاصة ان الإمام يقول للشيخ العجوز : بالأمس عملت لدنياك ، فتقاعد عنها الآن ، واعمل لآخرتك فقد أزف الرحيل . 71 - من نصب نفسه للنّاس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره . وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه . ومعلَّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلَّم النّاس ومؤدّبهم . المعنى : المراد بالإمام هنا المرشد والمعلم . . ولمرشد السوء علامات ، منها أن يعظ ويتصرف بعكس ما يقول ، ومنها أن يطلب الدنيا بالدين ، ويخالط السلطان وأهل اليسار طلبا للعزة والجاه ، ومنها أن يكون الكلام أحب اليه من الاستماع إلى العلم ، وان نبّه إلى خطئه أنف وثار . . إلى غير ذلك مما رأيناه وشاهدناه من كثير من المتسمين بسمة الدين وأهله . إن الإرشاد يستهدف العمل قبل كل شيء ، فإذا كان المرشد مناقضا لنفسه ودينه تابعا لأهوائه وميوله ذهب إرشاده مع الريح . . وربما أحدث ردة فعل عند بعض السامعين وقال : لو كان الدين كما يصفه هذا الواعظ لظهر أثره في سلوكه . وغير بعيد أن يكون الوعظ مكروها ممن يعلم بأن المستعين اليه على علم بفسقه وانه يعظ ولا يتعظ . . ومهما يكن فإن العقلاء يستقبحون دعوة الصلاح من الفاسد ،