محمد جواد مغنية
22
في ظلال نهج البلاغة
الخاء - مبرك الإبل ، والمراد به هنا العيش وغيره من شؤون الدنيا ، والعاقل لا يكترث بالدنيا وآلامها ، لأنها إلى زوال ، والآخرة هي دار القرار . وسبق التفصيل مرات ومرات . الإمام في جهاد دائم : ( لا أذل لك فتستذليني ) . لا أطمع في شأن من شؤون الدنيا ، لأن الطامع في وثاق الذل ، ولا أتذلل إلا لمن كان التذلل له عزة ورفعة ( ولا أسلس لك فتقوديني ) مهما بذلت من الثمن ( لأروّضن نفسي رياضة إلخ ) . . . من تجرأ على الدنيا جرأة علي بن أبي طالب ، واحتقرها هذا الاحتقار فعليه أن يوطن النفس على الحرمان من متعها ، ويستعد لضرباتها . . . ولذا روّض الإمام نفسه حتى قنعت وأعطت الدنيا كلّ ما تريد من التضحيات ، وما أخذت منها إلا قرص شعير بنخالته مع ذرات من الملح تبتسم له وترحب به . ويدلنا هذا على أن الإمام كان في صراع وجهاد دائم ومتصل : فمن الجهاد الأصغر في ميادين القتال ضد الشرك والبغي إلى الجهاد الأكبر في ترويض النفس وكبحها عن الأهواء والرغبات . وفي حديث قدسي : يموت الناس مرة ، ويموت من جاهد نفشه وهواه في كل يوم سبعين مرة . ان آلام الدنيا لا حد لها ولا نهاية ، وطريق الخلاص من كل المتاعب والهموم مقفل ومسدود ، والعاقل يعرض عن الدنيا ، ويهرب منها ، ويتوجه بكله إلى اللَّه وحده ، ومعنى الهروب من الدنيا أن تهرب من لهوها ولعبها ، من آثامها ومفاسدها ، من السلب والنهب والبغي والفساد ، والدس والنفاق ، ومعنى التوجه إلى اللَّه أن تتقيه في أقوالك وأعمالك ، وتجاهد بنفسك وأموالك لمصلحة عباده وعياله . . . هذه هي رياضة الإمام وفلسفته ومنهجه في حياته وخلافته . ( طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها ) وهو أن تترك أثرا ينتفع به الناس من بعده ، وعلى الأقل ان تكف الأذى عن الناس ، ولا تفسد في الأرض . قال الرسول الأعظم ( ص ) : « كف أذاك عن الناس ، فإنه صدقة تتصدق بها على نفسك » . فسلب الشر خير في دين الاسلام ( وعركت بجنبها بؤسها ) . صبرت في الحق ، وجاهدت في سبيله ، وتحملت من الأشرار الكثير من البلاء والضراء